ومذهب الفراء فاسد، لأنَّ الشرط إذا تقدمه الأمر استغنى بالأمر عن جواب الشرط فتقول؛ اضرب زيدًا إنْ قامَ، ولا تقول: اضرب زيدًا إن قامَ فاضربْهُ. وقد جاء في كتاب الله تعالى: {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السَّمَآء} (الأنفال: 32) . فلو كان على ما ذكر لم يأتِ بعد ذلك بأَمطِر علينا، لتقديم الشرط.
وأيضًا فإنّه لا يتصوَّر أن يتقدَّر هنا: يا اللَّهُ أُمّنا بخيرٍ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطِر علينا حجارة من السماءِ، لأنَّ ذلك تناقض، فدلَّ ذلك على بطلان ما زعم.
والمقيس في الباب هو ما عدل في النداء عن فَعالِ أو فُعَلَ أو مَفْعَلان. وإنّما عدل في النداء لأنَّ العدل لا يكون إلاّ في المعرفة، وهذه الأسماء لا تكون معرفة إلاّ في النداء خاصة.
فأَما فُعَل فهو مختص بالنداء ولا يستعمل في غيره. وقد جاء في الحديث: لا تقوم الساعةُ حتى يَلِيَ أمرَ الناسِ لُكَعُ بنُ لُكَعُ. ولكع هذا ليس هو الذي اختص بالنداء وإنّما هو صفة مثل حُطَم ولُبَد، فيكون غير فُعَلَ الذي اختص بالنداء وكذلك لكاعِ أيضًا لا يستعصي في غير النداء إِلاَّ في ضرورة كقوله:
أُطوّفُ ما أُطوّفُ ثم آوي
إلى بيتٍ قعيدتُه لَكاعِ
وأَما مَفْعَلان فزعم أَبو القاسم أَنّه مما اختص بالنداء. وحكى أَبو حاتم السجستاني أنّه قد جاء في غير النداء علمًا صفة وحكي من كلامهم: هذا زيدٌ ملأمانُ، وهذه هندٌ ملأمانةُ، ولذلك امتنع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون.
فإن قيل: إنّما امتنع الصرف للصفة، وزيادة الألف والنون، فالجواب: إنَّ الصفة وزيادة الألف والنون لا تمنع الصرف إلاّ بشرط لا تكون الصفة مؤنَّثة بالتاء، فدلَّ ذلك على أنّه علم، والعلم لا يوصف به.
ويمكن أن يكون هذا بدلًا، فإنَّ قيل: إنَّ العرب لم تستعمله قطُّ إلاّ تابعًا فالجواب: إنّه تابع على طريق البدلية، وأمّا أن يكون صفة فلا يجوز، لأنَّ الصفة لا تكون إلاّ بالمشتق والعلمية تُذهب منه معنى الاشتقاق، فحصل من هذا أنّه قد استُعمل في غير النداء عَلَمًا.