وزعم المبرد أَنَّه في معنى مفرد، وهذا أولى من مذهب الخليل لاطراده ألا ترى أنّك إذا قلت: لا إله إلا الله وحدَهُ، لم يصح أن تقدّر أفردته بذلك، لأنَّكَ لا تفرده، بل هو الذي انفرد سبحانه، وكذلك قوله:
والذئبَ أخشاهُ إنْ مَررتُ بهِ
وَحدِي .
يريد منفردًا.
وأمَّا ثلاثتهم وأربعتهم، فزعم الخليل رحمه الله، أَنَّك إذا نصبت قلت: مررت بالقومِ ثَلاثَتهُمْ، فالمعنى: مررتُ بهؤلاءِ فقط لم تجاوزْهُم، ومُرادكَ بذلك أنَّكَ لم تمر بغيرهم وقت مرورك بهم.
وإِذا جررت فلم تتعرض لأنك لم تمر بغيرهم بل يحتمل أنك مررت بهم ولم يكن معهم غيرهم، ويحتمل أن يكون معهم غيرهم، فمقتضى الخبر أنَّهم كانوا ثلاثة ومررت بهم.
وهل كان معهم غيرهم أو لا، ليس في اللفظ تعرض لذلك على ما بيَّن. وذلك أنك إذا نصبت فإِنَّما تنصب على الحال، وكأنك قلت: مررتُ بهم في حال أنَّهم ثلاثة، فمحال أن يكون معهم غيرهم ولا يكون الكلام كذبا، فالحال اقتضت هذا المعنى.
وأما الجر فعلى أنَّك مررت بالقوم كلهم، ولا ينقض هذا أن يكون معهم غيرهم، لأنَّه إذا كان معهم غيرهم صحَّ أن تقول: مررتُ بالثلاثة كلِّهم، ولا يكون الكلام كذبًا، فلهذا فرَّق النحويون بين النصب والجر.
وتَعرِضُ في هذا الباب مسألةٌ مشكلةٌ، وهي أنَّ النحويين اتفقوا على أنَّ قولك: مررت بالقومِ ثلاثتِهم، تأكيد ولا يُحفظ عنهم خلاف في ذلك. ويسبق إلى الخاطر جواز البدل أكثر من سبق التأكيد. فالذي حملهم على هذا ــــ والله أعلم ــــ أَنَّه يقال في معنى أنَّ القومَ ثلاثة.
وكذلك إذا قلت: مررت بالقوم أربعتِهم، فالمعنى أنَّ القوم أربعة. فإِذا ثبت هذا فاعلم أنَّه إذا قلنا فيه بدل فإِنَّه يكون إذ ذاك بدل شيء من شيء.
فإِذا قلت: مررتُ بالقومِ ثلاثتِهم، فالضمير المتصل بالثلاثة هم القوم والثلاثة هم القوم، فيكون فيه إضافة الشيء إلى نفسه.
فإِن قيل: وكذلك يلزم في التأكيد، فالجواب: إنَّ ذلك محتمل في التأكيد لأنَّه في معنى كلّهم. وقد استشهد في «كل» إضافتها إلى ما هو هي فيقولون: كلُّ القومِ لأنَّها محمولة على بعض وهي نقيضتها، فكما يقال بعضهم فكذلك يقال كلّهم.
فإِذا قلت: ضربتُ زيدًا وحدَهُ، ففيه خلاف. فسيبويه رحمه الله لا يجعله حالًا إلاّ من الفاعل، أي أفردتُه بالضرب فكأنَّك مفرد له، وأبو العباس يجيز أن يكون حالًا من المفعول فإِذا قلت: ضربت زيدًا وحدَهُ، فمعناه: ضربتُ زيدًا في حال أنّه مفرد بالضرب.
ومذهب سيبويه أولى لأنَّ وضع المصادر موضع اسم الفاعل أكثر من وضعها موضع المفعول.
ولا يجوز في وحده الرفع إلا ما شذَّ، ولا يقاس عليه، وهو: عُوَيَرُ وحدِهِ، وجُحَيشُ وحدِهِ ونَسيجُ وَحدِهِ.