والصحيح الأول لأنّ ما بني من الأسماء لتضمنه معنى الحرف أكثر مما بنى لتركيبه مع الحرف نحو قوله:
أثَور ما أصيدُكُم أم ثورَينْ
أَم هذهِ الجَمّاءَ ذاتَ القَرنينْ
فإِن قيل: كيف عملت لا وهي تدخل على الاسم والفعل والحرف، ولا تعمل عندنا إِلاَّ بشرط الاختصاص بما تدخل عليه؟
فنقول: هذه المعاملة مختصة بالأسماء لأنّها في جواب من قال: هل من رجلٍ؟ كما تقدم.
فإِن دخلت على جمع السلامة بالألف والتاء مثل أذرِعات ففيها خلاف. فمن قال: إِنَّ الحركة في لا رجلَ، حركة إعراب يقول في النصب هنا: لا أذرِعاتِ بالكسر، وحجته أَنَّ المبني مع لا قد أشبه المعرب المنصوب ولذلك نعت على اللفظ، كما أنَّ الجمع بالألف والتاء في حال النصب مكسور فكذلك يكون مع لا وهو الصحيح وبه ورد السماع. قال ابن مقبل:
أَودى الشبابُ الذي مُجدٍ عواقبُه
فيه نَلذُّ ولا لذاتِ للشيب
وروي بكسر التاء من لذات.
فإِن كان مثنى أَو مجموعًا جمع سلامة لمذكر فاختلف النحويون فيه: فمذهب سيبويه رحمه الله أنّه مبني، ومذهب أبي العباس المبرد أنَّه معرب. واستدل أبو العباس على ذلك بأن قال: لم يوجد اسم مثنى مبنيًا في كلام العرب، فأَمَّا هذانِ واللذانِ وأمثالهما فصيغ تثنية وليست بمثناة في الحقيقة وأيضًا فإِنَّ الاسم المثنى والمجموع قد قال بالنون والاسم المطوّل في باب معرب.
وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس باطل.
أما قوله: إِنَّه لم يوجد اسم مثنى مبنيًا فباطل بدليل قولهم: اثنانِ في العدد، إذا لم يقصد به الإِخبار بل مجرد العدد.
وأَمَّا قوله: إنَّ المثنى والمجموع قد طال بالنون فباطل، لأنَّ النون هنا بمنزلة التنوين، فكما لا يطول الاسم بالتنوين فكذلك لا يطول بهذه النون.
فالصحيح ما ذهب إليه سيبويه من أَنَّه مبني.