وأما ديارَ فلانة، منصوب على إضمار فعل تقديره: أذكُر ديارَ فلانةٍ. فإن قلت: وما الدليلُ على هذا الفعل؟ فالجواب: إنَّ الشعراء (كثيرًا) ما يقدمُون في أشعارهم ذكر الديار ووصف الأطلال فإذا قال بعد ذلك: ديار فلانة فكأنه قال: ذكرت ديار فلانة. وكل ما كان فيه من وصف الديار على هذا الفعل المضمر.
وأما أقائمًا وقد قعدَ الناسُ؟ وأقاعدًا وقد سار الركبُ؟ وعائذًا بالله، وبابه من الأسماء الموضعة موضع الفعل في الخبر فذلك العامل فيها تقديره: أتقوم قائمًا وقد قعد الناسُ؟ وأتقعدُ قاعدًا وقد سار الركبُ؟ وأعوذُ عائذًا باللَّهِ.
ونظير ذلك من الحال المؤكدة قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} (النساء: 79) .
فإن قلت: فهلا كان الفعل المضمر أتكون أو غيره، مما ليس من لفظ الاسم حتى تجيء الحالُ مُبيِّنة؟
فالجواب: إنّه ليس في الكلام ما يدل على المضمر إلاّ لفظ الاسم فقدّر الفعل المضمر لذلك من لفظه.
والوجه الآخر أن تكون هذه الأسماء مصادر على وزن فاعل كالعافية والعاقِبَة. فأقائمًا وأقاعدًا وعائذًا بمنزلة: أقيامًا وأقعودًا وعياذًا بالله ونابت مناب أفعالها التي من لفظها، ولم يجز إظهار الفعل الناصب لها لأنّها لما وضعت موضع الفعل وتحملت الضمير جرت فلم يدخل عليها الفعل كما لا يدخل على الفعل نفسه.
وأَدخل أَبو القاسم في هذا الباب ما ليس منه فمن ذلك حمدًا وشكرًا. وغفرانَك، وسعةً ورحبًا، وذلك من قبيل الأسماء المنتصبة بإضمار فعل ويجوز إظهاره.