يقدّم فيه الجاهليّ إن وجد ويتبع بالمخضرم، فالإسلاميّ، وهكذا، إلى أن يصل إلى معاصريه من الشعراء إن وجدوا. والملاحظ أيضا أنّ المرزبانيّ راعى كثيرا التسلسل في ترتيب شعراء كلّ عصر ففي (ذكر من اسمه عمرو) نجد أنّ وفيات الشعراء لها أثر بارز في ترتيبهم، فصاحب الترجمة الأولى توفي نحو سنة 500م، والثانية نحو سنة 540م، والثالثة نحو سنة 550م، والرابعة نحو سنة 570م، وهكذا دواليك، غالبا، فساعد ذلك على تحديد زمن عدد كبير من الشعراء الذين لم يذكر زمنهم، ولم ترد في أخبارهم أو أشعارهم قرينة تدلّ عليه، وذلك بالنظر في سياق الترجمة، بالاعتماد على ما قبلها. وما بعدها.
ولكن ذلك الترتيب الزمنيّ لم يكن مضطردا دائما، فقد يقدّم من حقّه التأخير من شعراء العصر الواحد [1] ، وقد يقدّم المخضرم على الجاهليّ [2] ، وفي بعض الأحايين نراه يرجع بنا من العصر العبّاسيّ إلى الجاهليّ [3] .
وربّما يرجع الاضطراب في الترتيب الزمنيّ إلى أنّ المرزباني كان يراعي النّسب أحيانا، فيذكر شعراء القبيلة الواحدة، المتفقين اسما، ثم يعود إلى ذكر غيرهم من الشعراء. ويضاف إلى ذلك أن المرزبانيّ كان يحتفل أحيانا بالمكان أو المذهب، فيؤدّي مثل ذلك إلى خلل في ترتيب الشعراء زمنيّا. ويمكن أن يضاف إلى ما سبق أنّ المرزبانيّ كان أحيانا لا يدقّق في نسبة الشاعر إلى عصره [4] ، ورأى د. عمر الدقّاق أن المرزبانيّ في معجمه لا يعنى بذكر المولد والوفاة والسنين، وهذا ما جعل الفائدة من المعجم محدودة [5] .
إن العشوائية الظاهرة في ترتيب تراجم كل حرف من (المعجم) وكذلك الخلل الظاهر في الترتيب الزمنيّ يدفعان إلى التساؤل عن سبب كلّ منهما، وأميل إلى أن (المعجم) لم يصل إلينا على النحو الذي أراده مؤلفه، وإلى أنّ النسخة التي أخرج عليها الكتاب لا تعدو أن تكون قسما من مسوّدة له، وصلت إلينا قبل أن تنقّح، وتحرّر وتبيّض، إذ من المستبعد على عالم، من منزلة المرزبانيّ، ومن رجال القرن الرابع الهجريّ أن يقع في مثل تلك العشوائية المعجميّة، والتداخل التاريخيّ.
وثمّة ما يعضد القول بأنّ النسخة المعتمدة من المؤلف لم تصل إلينا، ومن ذلك أن بعض التراجم المنقولة عن معجم المرزباني فيها زيادات يرجّح أنّها مأخوذة عن نسخة معتمدة تامّة، لا
(1) انظر الترجمتين 23و 24.
(2) انظر الترجمتين 33و 34، ثم 961و 962.
(3) انظر الترجمتين 57و 58.
(4) انظر الترجمتين 155و 159، ويبدو فيهما أن المرزبانيّ ينقل عن كتاب (من اسمه عمرو من الشعراء) .
(5) انظر مصادر التراث العربيّ ص 245.