كالمهل تارة، وتفتح أبوابها تارة، وتبدّل تارة ثالثة، فإذا وافق افتراضنا هذا ما عنته الموسوعة ومصادرها، فإن هذا بعيد كل البعد لأن الآيات تتحدث عن حالات كثيرة يحدث فيها هذا التغيير للكون، فهو تغيير له مراحل متعددة، والسور القرآنية تتحدث كل واحدة منها عن مرحلة من هذه المراحل.
2 -قد يكون الهدف من ذلك آيات الصبر والتحمل التي كانت في العهد المكي، وآيات الجهاد التي كانت في العهد المدني، وهذا ليس أقل من سابقه بعدا عن التناقض، فتلك حالات متعددة تنشأ كل حالة منها عن الظرف الذي يعيشه المسلمون.
3 -وربما ولا زلنا نفترض نحن ما حملهم على هذا القول يقصدون من هذا التناقض ما كان من نسخ في بعض الأحكام، وهذه الأحكام التي نسخت مع قلتها، فالآيات المنسوخة لا تزيد على بضع آيات في القرآن كله، ومع ذلك فإن هذا النسخ الذي كان له حكمه ومسوّغاته وكان يتدرج تدرجا تربويا في تربية المسلمين، لا يمكن أن يدّعي مدّع بأنه دليل التناقض.
والحق أننا لم نجد أي شيء نفترضه يمكن أن يكون فيه حجة لهذا القول، ولا نود أن نشعب القول في هذه القضية الظاهرة، فالقرآن كله وحدة تامة يكمل بعضه بعضا، ويفسر بعضه بعضا، وهو كذلك في كل ما عرض له من موضوعات.
وأذكر هنا أن هنالك دعوى للمستشرقين تفرق بين حديث القرآن عن اليهود في العهد المكي، وبين حديثه عنهم في العهد المدني، وبين الحديث عن الصفح في العهد المكي والحديث عن الجهاد والشدة في العهد المدني، وهي تفرقة في الحقيقة لا تقوم على أساس من المنطق، فاليهود لم يتغير حديث القرآن عنهم في جميع الآيات مكيها ومدنيها، وها هو ينكر عليهم اختلافهم وبغيهم في آيات مكية كثيرة: آية الجاثية: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلََّا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ الْعِلْمُ} [الجاثية: 17] ، وآية يونس: {وَلَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] ، كما ندد بهم في
جرائمهم التي ارتكبوها مع النصارى والتي جاءت في سورة البروج: {قُتِلَ أَصْحََابُ الْأُخْدُودِ} [الآيات: 84] .