فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 275

رابعا: لقد جاء في القرآن الكريم صريحا آيات كثيرة تأمر المسلمين بالبر والقسط، وتحثهم على العدل مع أولئك النّاس حتّى لو كانوا يبغضونهم بغضا

شديدا. أما السنة ففيها كثير جدا من الوصية بأولئك الناس، والوعيد الشديد من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام لمن آذاهم، ولم تقف هذه الوصايا عند الحدود النظرية، بل تجاوزتها إلى التصرف العملي، من عيادة مريض، وإكرام ضيف، وإحسان وفادة، وتشييع جنازة، وتعزية مصاب، وصلة رحم، ومواساة بائس، هذه أمثلة عملية كثيرة موجودة في تصرفات المسلمين ابتداء من زعيمهم رسول الله محمد عليه وآله الصلاة والسلام ومن بعده خلفائه وغيرهم.

ولقد شهد التاريخ بأن الخلفاء على اختلاف أعصارهم وأمصارهم كانوا يكرمون هؤلاء جميعا، وأن العلماء كانوا يحثون المسلمين أن يؤدوا الحقوق لهؤلاء الناس، بل كتب بعض العلماء كتبا في هذا الموضوع.

وكان من الواجب أن تحفظ هذه للإسلام، {هَلْ جَزََاءُ الْإِحْسََانِ إِلَّا الْإِحْسََانُ}

وإذا كان الجزاء من جنس العمل، فلقد كان الإسلام يستحق من أولئك الناس الاحترام والإجلال، ولكن الذي حدث كان على النقيض من ذلك تماما، كما يشهد الواقع والتاريخ.

أما التاريخ فهو خير شاهد على هذا النكران للجميل، فلقد صور الإسلام صورة مشوهة انحرف فيها مصوروها عن كل صدق وحق، لقد صور نبي الإسلام صورا لا تليق بهذه المواقف النبيلة الجليلة التي وقفها من أهل الكتاب، صورة تأنف منها النفس السويّة.

يقول درمنغام: «لما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتسعت هوة الخلاف وسوء الفهم بطبيعة الحال، وازدادت حدة، ويجب أن يعترف بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أكبر الخلاف. فمن المجادلين البيزنطيين الذين أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلفوا أنفسهم فيما خلا جان دامسيان مئونة دراسته، ولم يحارب الكتّاب والنظّامون (يعني الشعراء) مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب، فقد زعموا محمدا لص نياق (أي إبل) ، وزعموه متهالكا

على اللهو، وزعموه ساحرا، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق، بل زعموه قسا رومانيا مغيظا أن لم ينتخب لكرسي البابوية وحسبه بعضهم إلها زائفا «يقرّب له عبّاده الضحايا البشرية» وإن جبير دنوجن نفسه وهو رجل جد ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكر بين كذا، وأن جسده وجد ملقى على كوم من الروث وقد أكلت منه الخنازير، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرم الخمر وحرّم لحم ذلك الحيوان وذهبت الأغنيات إلى حدّ أن جعلت محمدا صنما من ذهب، وجعلت المساجد الإسلامية برابي (معابد أصنام) ، ملأى بالتماثيل والصور. وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم ماهوم مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين، وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء، وأما أغنية رولان التي تصور فرسان شارلمان يحطمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكونا من ترفاجان وماهوم (ويعنون به محمدا عليه السلام) وأبولون. وتحسب «قصة محمد» أن الإسلام يبيح للمرأة تعدد الأزواج. وقد ظلت حياة الأحقاد والخرافات قويّة متشبثة بالحياة، فمنذ رودلف دلوهيم إلى وقتنا الحاضر قام نيكولا، دكيز، وفيفس، ومراتشي، وهو تنجر، ويلياتلار، وبريد، وغيرهم، فوصفوا محمدا بأنه دجّال، والإسلام بأنه مجموعة من الهرطقات (الكفر) كلها، وأنه من عمل الشيطان، والمسلمين بأنهم وحوش، والقرآن بأنه نسيج من السخافات» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت