وهو الذي يتعلق بالدعوة تعلقا مباشرا كما قلت، وهناك نوع آخر له أهدافه التربوية والاجتماعية، والنفسية، والفكرية، وهذا النوع يختلف عن سابقه لأنه لا يحكي هذه المشادة بين الأنبياء وبين أقوامهم، وإنما يتحدث لنا عن قضايا ذات أثر آخر، ويظهر هذا النوع في قصة يوسف، وقصة داود وسليمان، وقصة عيسى، عليهم السلام، ولذا فإنا نجد هذا النوع من القصص لم يذكر كالنوع الأول، ذلك لأن الحكمة لا تقتضي ذكره كثيرا، فالنوع الأول كما قلت تعددت مشاهده في سور كثيرة، أما هذا النوع الآخر فلقد كان ذكره لأهداف متعددة كما قلت من قبل ولذا يبدو لأول وهلة أنه لم يركز عليه كثيرا، ولكن الأمر ليس كذلك فليس الأمر متعلقا بالكثرة والقلة، أو بالتركيز وعدمه، وإنما هو أمر الحكمة التي ليس فيها إسراف. فكون قصة عيسى ذكرت أقل من غيرها، ليس الأمر لأنه لم يركز على هذه القصة في القرآن، ولكن الأمر على العكس من ذلك تماما، فإن هذه القصة قد ذكرت ذكرا يفي بالحاجة، ويتم به الهدف والقصد. فقصة يوسف مثلا ذكرت مرة واحدة، وقصة داود وسليمان ذكرت في سورة الأنبياء وسورة النمل وسورة سبأ وسورة ص، وكانت كل سورة تذكر حدثا يتلاءم مع موضوعها لا يوجد في غيرها كذلك قصة عيسى عليه السلام ذكرت في سورة مريم المكية، وفي سورة آل عمران المدنية، وطرف في سورة النساء، وكانت كل سورة تذكر ما يتلاءم مع موضوعها كذلك.
إن أمر القصص في القرآن يحتاج إلى دراسة ودراية ودربة، ونرجو أن نكون قد أعطينا فكرة تامة في كتابنا «القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته» ، كما نرجو أن يكون ما ذكرناه هنا على ما فيه من إيجاز موفيا بالغرض الذي قصدناه من أجله، ولله الحمد في الأولى والآخرة.
الفصل الرابع مصير الإنسان ما جاء في الموسوعة وردّه في خمس قضايا