والحق أن القرآن منح الحرية كل الحرية لهؤلاء الذين يستمعون إليه، ولم يمنعهم شيئا من هذه الحرية، كما أنه لم يمنحهم بعضها فحسب كما في الموسوعة {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لََا تُؤْمِنُوا} [الإسراء: 107] ، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شََاءَ
فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] ، بل هذا هو مبدأ الرسالات السماوية جميعها، وقد حدثنا القرآن عن نوح عليه السلام، وهو يبين لقومه، إن عميت عليهم رسالته، فإنهم لن يرغموا على الإيمان به مكرهين {أَنُلْزِمُكُمُوهََا وَأَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ} (28) [هود: 28] ، يعني لا يمكن أن نلزمكم بها وأن نحملكم على الإيمان بهذه الرسالة ما دمتم لها كارهين.
بل إن القرآن الكريم في أكثر من آية حدثنا عن أقوام احتجوا على كفرهم بأن الله شاء لهم هذا الكفر، واحتجوا على عدم إيمانهم بأن الله لم يشأ لهم هذا الإيمان، وبعد أن نقل القرآن أقوالهم هذه وما احتجوا به، نقضها جميعا نقضا يباركه العقل ويهش له المنطق {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَلََا آبََاؤُنََا وَلََا حَرَّمْنََا مِنْ شَيْءٍ كَذََلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتََّى ذََاقُوا بَأْسَنََا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنََا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلََّا تَخْرُصُونَ} (148) [الأنعام:
148]، وهكذا رأينا أن القرآن كذبهم فيما قالوه وادعوه، وحجته قوية دامغة، ومنطقه بارع قويم، وهو يقول لهم: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنََا} ، هل عندكم من علم من عقل أو نقل من أن الله لم يرد لكم الإيمان ولم يشأ لكم الخير؟ إنّ هذا ظن وتخريص كذب، والظن لا يغني من الحق شيئا.
ونزيد الأمر وضوحا، فنقول: إن المتدبر لآيات القرآن يدرك من الآيات الكثيرة، بأن الله لا يظلم الناس شيئا، فجل الله عن شهوة الظلم، وهو بالتالي لم يحملهم على المعصية، ولم يأمرهم بها فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالقسط ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهم الذين يختارون الضلالة على الهدى، وهم الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهم الذين يشترون الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فليس الله بادئ بدء هو الذي أزاغ قلوبهم، وأعمى بصائرهم، وأصم أسماعهم، وأشقاهم. وسنبرهن لذلك كله من كتاب الله يقول القرآن {وَحَسِبُوا أَلََّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا} [المائدة: 71] بصيغة بناء الفعل للمعلوم كما يقول أصحاب النحو العربي ولم يقل (أعميناهم وصموا)
بضم الصاد والفرق بينهما ظاهر، فالذي جاء به القرآن معناه: إنهم هم الذين اختاروا العمى والصمم.