ونزيد الأمر وضوحا، فنقول: إن المتدبر لآيات القرآن يدرك من الآيات الكثيرة، بأن الله لا يظلم الناس شيئا، فجل الله عن شهوة الظلم، وهو بالتالي لم يحملهم على المعصية، ولم يأمرهم بها فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالقسط ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهم الذين يختارون الضلالة على الهدى، وهم الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهم الذين يشترون الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فليس الله بادئ بدء هو الذي أزاغ قلوبهم، وأعمى بصائرهم، وأصم أسماعهم، وأشقاهم. وسنبرهن لذلك كله من كتاب الله يقول القرآن {وَحَسِبُوا أَلََّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا} [المائدة: 71] بصيغة بناء الفعل للمعلوم كما يقول أصحاب النحو العربي ولم يقل (أعميناهم وصموا)
بضم الصاد والفرق بينهما ظاهر، فالذي جاء به القرآن معناه: إنهم هم الذين اختاروا العمى والصمم.
وفي آية أخرى {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النََّارِ} [هود: 106] بفتح الشين لا بضمها، والفرق بينهما ظاهر، فعبارة القرآن معناها: إنهم هم الذين اختاروا الشقاء لأنفسهم، وفي آية أخرى: {قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا} [المؤمنون: 106] .
وهذه آية تحسم الأمر حسما: {فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] وهكذا تبين الآية الكريمة أنهم قد اختاروا الزيغ والضلال والانحراف، وكان ذلك فسادا في طبيعتهم، وانحرافا عن الفطرة السوية التي فطرهم الله عليها، فلما كانوا كذلك أزاغ الله قلوبهم.
والقرآن في هذا المبدأ متمشّ مع أصح القواعد العقلية والبراهين المنطقية، وربما يقال: ولكن أما كان الله قادرا أن يرغمهم على الإيمان وسلوك الطريق السوي؟ نقول: بلى إنه على كل شيء قدير، ولكن ماذا يبقى من حكمة الخلق، ونحن نرى أن أمر التفاضل بين الناس في الحياة، من الأمور التي تستقيم بها الحياة؟ ولو أن الناس كانوا على وتيرة واحدة ما كان هذا التنافس في التقدم والرقي. إن الله قادر على أن يغير طبيعة أولئك المنحرفين، ليجعلها مماثلة لطبيعة أولئك الأخيار، أصحاب السلوك السويّ، ولكن أليس في ذلك خروج عن العدل المطلق؟ وما هو موقفنا من أستاذ يعطي الطالب المهمل الكسول ما يعطيه للطالب الجادّ الذكي؟ هل نحكم له بالخيرية والفضل والمنهجية التربوية.
والذي يمكن أن يغير طبيعة الأشرار ليرغمهم على الخير، يمكن أن يغير طبيعة الأخيار ليرغمهم على الشر والانحراف. والمدرس الذي يمنح المهملين الأغبياء ما يمنحه للجادين الأذكياء يمكن أن يدور بخلده أن يفعل عكس ذلك، فيجعل نتيجة الجادين الأخيار كنتيجة غيرهم من المقصرين، فإن قانون العدالة واحد، لا يختلف بين هذه وتلك، وعلى هذا فقد منح القرآن حرية الإرادة والاختيار {لََا إِكْرََاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] .