هذا هو حل اللغز لهذه القضية المعقدة، التي بحثت كثيرا قبل القرآن، وقبل ظهور الإسلام، وعلى هذا فيمكننا أن نفهم النصوص الأخرى التي تبين أن المشيئة لله وحده، ولا أقول تسلب الإنسان حريته، كما جاء في الموسوعة، فهناك فرق بعيد جدا بين أن نفهم من القرآن أنه يثبت المشيئة لله وحده، وبين أن نفهم منه أنه يسلب الحرية عن الإنسان كل السلب.
ونحن إذا استعرضنا هذه الآيات وجدناها جاءت في سياق التثبيت للنبي عليه وآله الصلاة والسلام، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتألم لعدم إيمان قومه، لأنه يريد لهم الخير، لا لأن إيمانهم سيجلب للنبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم مكاسب مادية ومعنوية وإنما لخيرهم وخير البشرية معهم، فكان القرآن يسلّيه ويثبته بأن لا يحزن، فإنهم جبلوا على الشر، ولو شاء الله هدايتهم لفعل، ولكن حاشاه أن يخرق أسوار العدالة وهو الحكم العدل.
والمتأمل للآيات يجد مصداقية الذي قلت، ويكفي أن نذكر ببعض هذه الآيات {وَلَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النََّاسَ حَتََّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (99) [يونس: 99] ، {وَمََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلََّا بِإِذْنِ اللََّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لََا يَعْقِلُونَ} (100) [يونس: 100] ، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللََّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لََا تُسْمِعُ الْمَوْتى ََ وَلََا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمََا أَنْتَ بِهََادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلََالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلََّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيََاتِنََا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} (81) [النمل: 8179] ، وهكذا إذا تدبرنا الآيات فسنجد أن أكثرها يتحدث عن حرية الإنسان واختياره أو أن بعضها يتحدث عن مشيئة الله، وأن هذه الفئة الثانية لا تنافي الآيات الأولى، وأن السياق الذي جاءت فيه كان تسلية وتثبيتا للنبي الكريم، وأن علم الله الأزلي لا يمكن أن يكون حجة للناس في سلوك طريق الضلال، بل إنّ علماء الكلام المسلمين ذهبوا إلى حدّ من الجرأة والصراحة فقرروا أن هذا الإنسان إنما يحاسب على كسبه، وأنه هو الذي ينشئ هذا الكسب ويختاره.