المجتمع الذي وجد فيه النبي عليه وآله الصلاة والسلام في مكة والمدينة على السواء، كان سكانه في غالبيتهم إما من العرب، الذين كانوا يفخرون بالانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، وكان هؤلاء يتجمعون أكثر ما يتجمعون في مكة وما حولها، وإما من أهل الكتاب وبخاصة اليهود الذين يدّعون ويفخرون كذلك بانتسابهم إلى إبراهيم، ولكن كلّا من الفريقين انحرف عن تراث الأب ودعوته فالعرب الذين ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام نجد القرآن يذكرهم دائما ناعيا عليهم صنيعهم الذي هم فيه، منددا بهم فكيف يدّعون الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام تحمّل كثيرا من الأذى وهو يدعو أباه وقومه إلى التوحيد [1] وينهاهم عن عبادة الأصنام، ونلاحظ أن كثيرا من السور المكية ركزت كثيرا على هذه القضية لأن الهدف منها الردّ على هؤلاء العرب تارة، والإهابة بهم تارة أخرى، فكيف ينتسبون لإبراهيم عليه السلام، وها هي الأصنام تملأ البيت الذي بناه لله خالصا ليقيم فيه شعائر التوحيد، هذا من حيث المجتمع المكي.
أما من حيث المجتمع المدني في المدينة فكان الرد فيه كذلك على هؤلاء الكتابيين الذين يفخرون بالصلة لإبراهيم عليه السلام، من حيث الدين أو النسب، فصفات إبراهيم عليه السلام كانت كلها صفات فاضلة خيرة، وعبادته كانت التوحيد الخالص، والتوراة إنما أنزلت من بعده، فلماذا يدّعى على إبراهيم عليه السلام ما ليس له، وما هو بعيد عنه وبريء منه، والآيات المدنية تركز كثيرا على هذه القضية: {يََا أَهْلَ الْكِتََابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرََاهِيمَ} [آل عمران:
6965]، {* كُلُّ الطَّعََامِ كََانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلََّا مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى ََ نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] ، {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرََاهِيمَ وَإِسْمََاعِيلَ} [البقرة: 140] .
(1) انظر قوله تعالى: {وَإِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} [الزخرف: 26] .