فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 275

وعلى هذا فإن هذه الوشائج بين إبراهيم والنبي عليهما السلام، بين الأب والابن، كان أمرا لا بدّ منه لما ذكرناه من هذه الظروف في المجتمعين المكي والمدني.

ولكن ما يستحق أن نقف عنده في هذه المسألة طويلا ونرى أنه بحاجة إلى بيان هو ما جاء في الموسوعة من أن إبراهيم عليه السلام يبدو وكأنه مؤسس الدعوة إلى وحدانية الخالق، وهذا في الحقيقة هو ما ينكره القرآن ويرفضه رفضا حازما، فتوحيد الخالق سبحانه قضية من القضايا الفطرية التي فطر عليها الخلق قبل خلق الإنسان، بل قامت عليها السماوات والأرض، وها هم الملائكة قبل أن يخلق آدم كما جاء في القرآن يقولون: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}

[البقرة: 30] ، وهذا إبليس رغم جحوده وكفره لا ينازع في هذه الوحدانية: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79] ، وخلق الله آدم وكان مفطورا على التوحيد:

{رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا} [الأعراف: 23] ومنذ الجيل الأول كانت عقيدة التوحيد الأساس الذي تنبثق عنه المبادئ جميعا، وأول نبي أرسل إلى قوم هو نوح عليه السلام، وهو قبل إبراهيم عليه السلام بأزمنة كثيرة، ودعوته كان أساسها التوحيد:

{اعْبُدُوا اللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] ، {أَلََّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللََّهَ} [هود: 2، 26] ، ويبين لهم أن آلهتهم التي يعبدون (ودّا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا) قد أضلت كثيرا وزادتهم ضلالا، وأنهم خرجوا عن الفطرة السوية، ويحدثنا القرآن بعد نوح عليه السلام عن هود عليه السلام، وهو يدعو قومه إلى الوحدانية كذلك، كذلك صالح عليه السلام بعد هود عليه السلام، ويجيء إبراهيم عليه السلام داعيا إلى هذه الوحدانية.

ثم هذه الصلة بين إبراهيم عليه السلام وبين هذه الأمة، الأمة المسلمة، صلة مبنية على التوحيد كذلك: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ هُوَ سَمََّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}

[الحج: 78] ، قضية التوحيد إذن قضية عميقة، لا أقول عمق البشرية، ولكن عمق الخلق، والقرآن في أكثر من سورة وقد حدثنا عن الأنبياء عليهم السلام

نجده يعقب على ذلك بقوله: {إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (92) [الأنبياء: 92] ، وفي آية أخرى: {وَإِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (52) [المؤمنون: 52] ، وانظر ما تقدم في آيات الوحدانية: {* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت