فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 275

ونحن إن نشكر للدكتور عبد الصبور ما نقلناه عنه إلا أننا لا نرتاب وأظنه كذلك معنا بأن كثيرا من المستشرقين آفتهم واحدة، وهي أنهم كتبوا ما كتبوا، وهناك أهداف تمليها عليهم ظروف خاصة، ونحن قد برهنا على شيء من هذا في الفصول السابقة، وإنما قلت أكثر المستشرقين لأن الأمر لا يخلو ممن كان الحق لهم هدفا، وهؤلاء قد يخطئون، وشتان بين خطأ بذل صاحبه جهدا للوصول إلى الحق، ولكن أخطأه التوفيق فيما طلب، وبين خطأ متعمد ناتج عن سبق إصرار. يقول الأستاذ محمود شاكر في مقدمته لكتاب «الظاهرة» لمالك ابن نبي والذي ترجمه مشكورا الدكتور عبد الصبور:

«سلاح الاستشراق سلاح لم يدرسه المسلمون بعد، ولم يتتبعوا تاريخه، ولم يكشفوا عن مكايده وأضاليله، ولم يقفوا على الخفي من أسرار مكره، ولم يستقصوا أثره في نواحي حياتهم الثقافية، بل في أكثر نواحي حياتهم الإنسانية

كيف؟ بل كان الأمر عكس ما كان ينبغي أن يكون، فهم يتدارسون ما يلقيه إليهم على أنه علم يتزوده المتعلم، وثقافة تتشربها النفوس، ونظر تقتفيه العقول، حتى كان ما قال مالك: «إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين، قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، وتفصيل أثر هذا الإشعاع في تاريخنا الحديث، وفي سياستنا وفي عقائدنا، وفي كتبنا وفي أدياننا وفي أخلاقنا، وفي مدارسنا وفي صحافتنا وفي كل أقوالنا وأعمالنا شيء، لا يكاد يحيط به أحد.

وهذا الإشعاع كما سماه مالك، كان من أعظم الأسباب وأبعدها خطرا في العقل الحديث، الذي يريد أن يدرك دلائل إعجاز القرآن إدراكا يرضي عنه ويطمئن إليه. وهو الذي أوقع الشك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة إعجاز القرآن، بل أكبر من ذلك، فإنه قد أتى أساليب غاية في الدهاء والخفاء، أفضت إلى تدمير الوسائل الصحيحة التي ينبغي أن يتذرع بها كل من درس

نصا أدبيا، حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته فضلا عن بلاغته وإعجازه» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت