شك أن هؤلاء جعلوا النبي يشعر بصعوبة كل اتفاق، فإن الحرب الكلامية في وجههم ازدادت خشونة ونفاذ صبر وفي الوقت ذاته يزداد الحض على التوبة اتقادا، كذلك إدانة الأغنياء والأمر بالصدقة.
إن المنزلات الملتقاة طيلة هذه الفترة المكية الأولى تتميز بوحدة الأسلوب وتتألف الآيات على العموم من ستة إلى عشرة مقاطع صوتية، والسجعات تتتابع غالبا على قافية واحدة شديدة الوقع. وبعض السور تبنى آياتها على شكل أدوار مع لازمة (تردد مرتين أو ثلاث مرات «المرسلات» ، وغالبا ما تفتتح السور بعبارات قسم بالنجوم أو بالجبال المقدسة فتؤلف عندئذ صيغا من الكلام السحري، وكل هذه النصوص تتميز بطابعها الغنائي وسياقها المذهل) .
أما عن الفترة الثانية من الدعوة في مكة فيقول: «إنا نتبين في هذه النصوص كثرة استعمال اسم الرحمن إلى جانب أسماء أخرى تطلق عادة على الإله إن دور المنذر الذي أنيط بمحمد يصبح موضوعا لعدة تذكيرات أما الكافرون فإن القرآن لم يقتصر فيما يتعلق بهم على وصف نتائج الاختيار بين الصراط المستقيم وغير المستقيم. بل إن جهنم تغدو وعيدا موعودا للمشركين المكيين الذي صمّوا آذانهم في وجه دعوة محمد.
ولكي تبلغ الدعوة غايتها كانت ترجع إلى قصص أو أساطير معروفة في الجزيرة العربية. إن الإطار الذي اعتمد في ذلك كان متسقا تماما، فبعد استهلال قصير على العموم يتناول التوبة أو فرائض الإيمان، تأتي قصة تتعلق بقبيلة أو بشعب أضله ترفه فرده عن عبادة الإله الأعلى. أما أسماء هذه الشعوب فهي قليلة وتتكرر بلا ملل، إنهم قوم عاد من جنوب الجزيرة العربية، وثمود من وادي القرى شمالي الجزيرة العربية، وثمود من وادي القرى شمالي المدينة، والعمالقة، وشعب لوط، والمصريون وفرعون، وأخيرا معاصر ونوح في قدم الزمان. وقد أرسل الله إلى كل من هذه الأمم الملحدة نبيا تماثل سيرته سيرة
محمد، فإن هودا وصالحا وموسى وإبراهيم ونوحا قبل الطوفان مثل محمد قد تألموا من الهزء وعانوا مما وجهه إليهم مناوءوهم من الإهانة والتهديد (القمر، والصافات، ونوح، والشعراء، والحجر، والأنبياء) هكذا يعالج هنا موضوع النبي المبشر في الصحراء كما نرى، بالاستناد إلى قصص قومية وإلى قصص مأخوذة من التوراة. أما مع القصص التوراتية فلم يكن من التوازي بد، والقرآن يتبع عن كثب الديباجة التوراتية عامة، إلا أن اللغة تضفي على الرواية ميزة غريبة بسياقها المكثف وباهتمامها بالإيحاء أكثر من اهتمامها بالوصف. وفي هذه النبويات تكثر القصص عن موسى بصورة محسوسة، في حين أن مركزا مهما قد جعل لعيسى ومريم (سورة مريم) رغم ما تتميز به هاتان الشخصيتان هنا في بعض النقاط الأساسية، عن الصورة التي قدمتها لنا عنهما الأناجيل الأربعة. أما القالب العربي الذي اتخذته شخصية إبراهيم، فهو أجدر أيضا بالملاحظة، لقد بقي إبراهيم في احتمال ذلك الوقت مثل الأنبياء الآخرين، كان يعظ صما، وكان حزنه أشد عمقا بمقدار ما كان يصطدم بزيغ والده نفسه».