وإذا تركنا هذه الأسواق وهي مجتمعاتهم الكبيرة إلى مجتمعاتهم الصغيرة وجدنا أن هذه المجتمعات لم تكن تحفل بالقضايا الدينية ومسائل العقيدة، يذكر التاريخ بأنّ النضر بن الحارث، وقد كان من الألداء في الجاهلية للإسلام، كان يريد أن يصدّ الناس عن سماع القرآن، بما يقرؤه لهم، وكان من المفترض أن يتحلقوا حوله ليقرأ لهم من بعض الكتب الدينية المعروفة عند الأمم، ولكنه كان لا يفعل شيئا لهم من هذا بل كان يقص عليهم أخبار الفرس
وحكايات أبطالهم، ويعبر القرآن عن هذا بقوله: {وَمِنَ النََّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6] .
لقد كان المجتمع العربي تسوده روح القبيلة، لذلك كان فخرهم بهذه القبيلة، وما هو ضروري لها من مال وولد، حتى لقد كانت القبيلة تهيمن عليهم في كل شيء يقول قائلهم:
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
وكان دستورهم هذا القول المشهور: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، وبقي كذلك حتى جاء الإسلام فعدّله بما يتفق مع العدالة الجديدة والروح الجديدة للدين الجديد، حيث بين الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وقد سئل: «ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟» فقال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره» [1] . ويحكي لنا القرآن فخرهم هذا: {وَقََالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوََالًا وَأَوْلََادًا وَمََا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ، وفي آية أخرى: {وَقََالُوا لَوْلََا نُزِّلَ هََذَا الْقُرْآنُ عَلى ََ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
وهكذا ندرك أن المجتمع الذي عاش فيه النبي عليه وآله الصلاة والسلام كان في غفلة عن التصورات القرآنية الجديدة، فضلا عن أن يعطيها ويمنحها، وها هو وقف في طريقها يصدّ الناس عنها: {لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] وكثيرا ما يقولون: {إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى ََ أُمَّةٍ} [الزخرف:
22]، فلو كانت معطيات القرآن مكتسبة منهم لقالوا (هذه بضاعتنا ردت إلينا) .
ج وأما معاصرو هذا المجتمع فلم تكن نظرتهم بأدق من نظرة العرب إلى أنفسهم، فلقد كانوا يصفونهم بالأميين، ليس هذا فحسب بل يستبيحون حقوقهم، والقرآن يحدثنا عن اليهود حينما قالوا: {لَيْسَ عَلَيْنََا فِي الْأُمِّيِّينَ}
(1) رواه البخاري في «صحيحه» في كتاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه: (7: 6551) .