«استخدم المسيحيون في وحشيتهم القنابل اليدوية، السكاكين، الفئوس المسدسات، البنادق، وبعض قطع المدفعية، وقطعوا في بعض الأحيان أثداء النساء، وحفروا صلبانا في الأجساد، بقروا بطون الحوامل، حتى الأطفال قطعوهم إربا، وجدت أطراف طفل مقطعة وموضوعة حول رأسه، لغموا العديد من الجثث، حتى بات من الصعوبة والخطورة مسها أو دفنها، قبل أن تتوقف اللجان المختصة عن إحصاء الجثث تحت الشمس المشرقة يتعذر فورا تمييز الأجسام قدّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عدد الضحايا بثلاثمائة وثلاث عشرة ضحية. منظمة الدفاع المدني أضافت إليها ثلاثا وأربعين ضحية جديدة، ثم مائة وستا وأربعين أخرى تعرف عليها أفراد من عائلاتها، هذا عدا المقابر الجماعية التي لم تنبش. بعد أشهر من المأساة كان كثير من الفلسطينين يؤكد أن عدد الضحايا والمفقودين حوالي ثلاثة آلاف شخص. في غياب الإحصاءات الدقيقة، تشير بعض التقديرات الموثوقة أن عدد الفلسطينيين يشكل واقعيا ثلث الضحايا مصادر أخرى تقول إن اللبنانيين الشيعة يشكلون ثلثا آخر حتى
النصف أما الباقون فهم مصريون وسوريون (مسلمون) ومن مختلف الجنسيات العربية، البعض الآخر يحصي 999من سكان المخيم لم يعثر عليهم، ثلثهم من اللبنانيين (المسلمين) . إن استعمال الجرافات لمحاصرة اللاجئين في مخابئهم وإخفاء الأدلة يبين مدى بربرية الهجوم، والخوف من اكتشاف آثار الجريمة.
بعد أشهر روى لي أحد القتلة بطريقة مثيرة كيفية مشاركته في المجزرة، فقرأ يومياته بصوت عال: «أطلقنا عليهم النار أمام الجدران، ذبحناهم في عتمة الليل» . كم من الفلسطينيين قضى نحبه في هذا الهجوم؟ أجاب مسئوله الذي يستمع إلينا: «ستعرف ذلك يوما ما، إذا حفروا نفقا للمترو في بيروت» ، ملمحا إلى أن عدد الضحايا أكبر بكثير مما أعلنته الأرقام الرسمية» [1] .
ولا نود أن نسترسل في ذكر هذه المآسي والمظالم حتى لا نخرج عن بحثنا، ومع ذلك كله، ومع هذا التعسف الذي لقيه الإسلام والمسلمون، فإن الإسلام سيظل يمتاز بروعة التسامح التي عرف بها، وسيظل القرآن كتاب الإنسانية وكتاب الحياة للأحياء {هُدىً لِلنََّاسِ وَبَيِّنََاتٍ مِنَ الْهُدى ََ وَالْفُرْقََانِ}
[البقرة: 185] ، ينهى عن التعصب، ويثير في الإنسان المشاعر الكريمة، ويدعو الناس للتسابق في الخير، ولكنه مع ذلك ينهى عن التخاذل والضعف.
وكتابنا الذي نقدمه للقراء اليوم، والذي التزمنا فيه المنهجية والموضوعية والدقة والإنصاف، والذي عرضنا فيه موضوعات أملتها الحاجة نرجو أن يكون لبنة في صرح الحق، كما نرجو أن يهيأ له من يترجمه إلى لغة الموسوعة الرئيسة اللغة الإنجليزية، وأن يجد القارئ فيه جلال الحق، وجمال الصورة، وجودة العرض، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) «حرب الألف سنة» ، جوناثان رندل ص 29.