بنيته صحيحة، وحياة الرغد مهيأة له، ولكنه مع ذلك استطاع أن يكبح جماح هذه الشهوة، وقد رأى برهان ربّه وهو ما أودعه الله في نفسه من خشية لله، وبغض للخيانة، لأن الله أراد أن يصرف عنه السوء والفحشاء:
{إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (24) ، وهو بحق درس سجله القرآن الكريم ليفيد منه كل أولئك الذين سنحت لهم الفرض فتسنى لهم فعل الشهوة، فيذكروا ما كان من يوسف عليه السلام، فماذا في ذلك من خرافة يا ترى؟!
5 -ولقد تفرد القرآن كذلك بقدّ قميص يوسف، والذي ذكرته التوراة هو أخذ القميص، ولا شك أنّ قضية ورواية القدّ هي التي تتفق مع منطق الأحداث، وما كان من ذلكم الرجل الحصيف العقل، النافذ البصيرة، السليم المنطق، المستقيم الفكر، وهو من ذوي المرأة وقرابتها، حينما شهد شهادته التي تدل على تلك الصفات التي ذكرناها. وهو درس يمكن أن يفيد منه رجال الأمن وجماعات القضاء في استنتاج الأحكام لما يعرض لهم من قضايا، فهل تلك خرافة يا ترى؟!
6 -ومما تفرد به القرآن خبر النسوة، وقد تسرّب الخبر ورشحت بعض أحداثه إليهن، وهذه قضية اجتماعية، فأخبار مثل هؤلاء في كل زمان ومكان سريعة التسرب، سريعة الرشح، يفتح الناس آذانهم لها، فكان من خبرهن بعد ما رأينا أن أصابتهن الدهشة فجرحن أيديهن، أفينكر علم الاجتماع وعلم النفس مثل هذه القضية؟!
7 -ومما تفرد به القرآن الكريم تضرع يوسف لربه أن يصرف عنه كيد النسوة حتى لا يصبو إليهن ويكون من الجاهلين، وما ذلك إلا لأنه بشر، فيستجيب له ربه، فيصرف عنه كيدهن، فماذا في ذلك من خرافة؟!
8 -ومما انفرد به القرآن هذه الدعوة التي كان يحمل يوسف لواءها، وهي رسالة التوحيد، وها هو قبل أن يجيب صاحبي السجن يعظهما: أَأَرْبََابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللََّهُ الْوََاحِدُ الْقَهََّارُ (39) ، ويعترف بأن ما عنده إنما هو من تعليم ربه له: {ذََلِكُمََا مِمََّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لََا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبََائِي إِبْرََاهِيمَ وَإِسْحََاقَ وَيَعْقُوبَ مََا كََانَ لَنََا أَنْ نُشْرِكَ بِاللََّهِ مِنْ شَيْءٍ ذََلِكَ مِنْ فَضْلِ اللََّهِ عَلَيْنََا وَعَلَى النََّاسِ وَلََكِنَّ أَكْثَرَ النََّاسِ لََا يَشْكُرُونَ} (38) ، أليس ذلك هو الذي يتلاءم مع شرف النبوة ومنزلة الرسالة؟!