فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 275

8 -ومما انفرد به القرآن هذه الدعوة التي كان يحمل يوسف لواءها، وهي رسالة التوحيد، وها هو قبل أن يجيب صاحبي السجن يعظهما: أَأَرْبََابٌ

مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللََّهُ الْوََاحِدُ الْقَهََّارُ (39) ، ويعترف بأن ما عنده إنما هو من تعليم ربه له: {ذََلِكُمََا مِمََّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لََا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبََائِي إِبْرََاهِيمَ وَإِسْحََاقَ وَيَعْقُوبَ مََا كََانَ لَنََا أَنْ نُشْرِكَ بِاللََّهِ مِنْ شَيْءٍ ذََلِكَ مِنْ فَضْلِ اللََّهِ عَلَيْنََا وَعَلَى النََّاسِ وَلََكِنَّ أَكْثَرَ النََّاسِ لََا يَشْكُرُونَ} (38) ، أليس ذلك هو الذي يتلاءم مع شرف النبوة ومنزلة الرسالة؟!

9 -ومما تفرد به القرآن عدم تلبية يوسف نداء الملك حينما طلبه أول مرة، فأبى يوسف حتى تسأل النسوة عن شأنه، وتسأل النسوة ويبرئن يوسف: {قُلْنَ حََاشَ لِلََّهِ مََا عَلِمْنََا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ،} وتعترف امرأة العزيز بالحقيقة: {أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصََّادِقِينَ} (51) ، أيمكن أن يكون ذلك خبر خرافة ونسج حكايات يتناقلها جهلة القصاص؟ أم أنه سرّ كشف لثامه القرآن وحده؟! أليست تلك حصافة من يوسف تدل على رفعة نفس، واعتزاز بالكرامة، ثم ماذا كانت نتيجة هذه الحكمة التي ألهمها عليه السلام؟ لقد كبر في عين الملك ولذا نجد القرآن يصرح بهذا ويشير إليه، فبعد اعتراف النسوة ببراءة يوسف يقول الملك {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [آية: 54] ، وهذه الجملة {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} لم يقلها الملك أول مرة في الآية، وإنما قالها في هذه المرة الثانية فحسب، حينما رأى من يوسف هذا الاعتزاز بكرامته وهذا الصدق مع نفسه. ولقد سجل الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في السنة المطهرة: «رحم الله أخي يوسف، لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي» [1] ، وهذا تقدير من النبي سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم لما كان من يوسف عليه السلام.

(1) وأخرجه البخاري كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: {* لَقَدْ كََانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيََاتٌ لِلسََّائِلِينَ} (7) ، حديث رقم 3207، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، حديث رقم 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت