لا يكون، فختمت الآية الكريمة، التي تتحدث عن الطير وغيره، بقوله:
{يَفْعَلُونَ،} لأن هذا التسبيح أمر جبليّ فيهم.
(7) وهاتان آيتان في سورة القصص: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللََّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى ََ يَوْمِ الْقِيََامَةِ مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيََاءٍ أَفَلََا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللََّهُ عَلَيْكُمُ النَّهََارَ سَرْمَدًا إِلى ََ يَوْمِ الْقِيََامَةِ مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلََا تُبْصِرُونَ،} (72) حيث ختمت آية النهار بالبصر وذلك لأن النهار هو ظرف لأعمال الناس وتصرفاتهم، وختمت آية الليل بالسمع لأن المراد به سمع تدبر، ولأن دوام الليل فيه إعمال حاسة السمع أكثر من إعمال حاسة البصر، إذ الليل غالبا هو محل السمر والسهر، وتلكم قضية سمع أكثر منها قضية بصر.
(8) ومن هذا كلمة التفكر، فلقد ذكرت هذه الكلمة كثيرا في كتاب الله تعالى، ولكن المواضع التي ذكرت فيها جميعا نجدها قضايا معقدة لا يسهل إدراكها وتصورها على كل فرد، بل هي في أمسّ الحاجة إلى قدرات عقلية ومعرفة وعلم، فكثيرا ما ترد في قضايا التناسل، وإخراج شيء من شيء، وتداخل الأشياء بعضها في بعض: {وَمِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] ، {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ وَأَنْهََارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ جَعَلَ فِيهََا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهََارَ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] ، {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهََا شَرََابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهُ فِيهِ شِفََاءٌ لِلنََّاسِ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] .
وقد ترد صيغة التفكر في معرض الاستنتاج والمقارنة بين الأشياء، ومعرض المثل، كما نرى ذلك في آيتي البقرة، آية الخمر والميسر اللذين فيهما إثم كبير ومنافع، وإثمهما أكبر من نفعهما، وكذلك الآية التي ضربت مثلا لمن عمل
بالطاعات ثم تركها وهو أشد ما يكون حاجة إليها: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنََابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ لَهُ فِيهََا مِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ وَأَصََابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفََاءُ فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اللََّهُ لَكُمُ الْآيََاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] .