فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 275

وقد ترد صيغة التفكر في معرض الاستنتاج والمقارنة بين الأشياء، ومعرض المثل، كما نرى ذلك في آيتي البقرة، آية الخمر والميسر اللذين فيهما إثم كبير ومنافع، وإثمهما أكبر من نفعهما، وكذلك الآية التي ضربت مثلا لمن عمل

بالطاعات ثم تركها وهو أشد ما يكون حاجة إليها: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنََابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ لَهُ فِيهََا مِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ وَأَصََابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفََاءُ فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اللََّهُ لَكُمُ الْآيََاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] .

كلمة التفكر إذن جاءت في هذه المواضع: آية الزوجية وما أودعه الله بين الزوجين، آية الأرض وما فيها من رواسي وأنهار، ونظام الزوجية في النبات، وفي كل شيء {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهََارَ،} وفي آية الإنبات من الماء الواحد أشياء مختلفة، وفي آية النحل وما تأكله من الثمرات المختلفة، وكيف يتحول ذلك إلى شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس. كذلك جاءت كلمة التفكر في معرض التمييز بين الأشياء والمقارنة بين إيجابياتها وسلبياتها، وحسناتها وسيئاتها، وذلك يظهر في آية الخمر والميسر، وفي ذلك المثل الذي ضربه الله تبارك وتعالى في قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} والذي جاء في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما حينما سأله عمر رضي الله عنه فقال: «ضربت مثلا لمن عمل بالطاعات فلما كبر سنه وكان أحوج ما يكون إلى الحسنة اجتالته الشياطين عن الحق» [1] ، إن مثل هذا حري بالتفكر.

أما كلمة التذكر، فنجدها في مواضع تتسق معها، نقرأ مثلا قول الله تعالى:

{وَمََا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوََانُهُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}

[النحل: 13] ، إن اختلاف ألوان النبات أمر لا يحتاج إلى كثير تفكير ولا كبير عناء، وإنما يحتاج إلى الذاكرة وحدها فحسب، وأما قوله سبحانه وتعالى:

{إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِلْعََالِمِينَ} بجمع عالم، فقد جاءت في حديث خلق السموات والأرض واختلاف الألسنة والألوان، قال تعالى: {وَمِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلََافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوََانِكُمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِلْعََالِمِينَ} [الروم: 22] ، ولا شك

(1) انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة: باب قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت