فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 800

ولما كان بعد مدة انقبضت عن الخدمة ولازمت الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد الخاشع الورع فريد الدهر ووحيد العصر كمال الدين عبد الله الغاري وكان من الأولياء وله كرامات كثيرة قد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه وانقطعت إلى خدمة هذا الشيخ ووهبت ما عندي للفقراء والمساكين وكان الشيخ يواصل عشرة أيام وربما واصل عشرين فكنت أحب أن أواصل فكان ينهاني ويأمرني بالرفق على نفسي في العبادة ويقول لي إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقي معي فخرجت عن جميع ما عندي من قليل وكثير وأعطيت ثياب ظهري لفقير ولبست ثيابه ولزمت هذا الشيخ خمسة أشهر والسلطان إذ ذاك غائب ببلاد السند

ولما بلغ السلطان خبر خروجي عن الدنيا استدعاني وهو يومئذ بسيوستان فدخلت عليه في زي الفقراء فكلمني أحسن كلام وألطفه وأراد مني الرجوع إلى الخدمة فأبيت وطلبت منه الإذن في السفر إلى الحجاز فأذن لي فيه وانصرفت عنه ونزلت بزاوية تعرف بالنسبة إلى الملك بشير وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ثنتين وأربعين فاعتكفت بها شهر رجب وعشرة من شعبان وانتهيت إلى مواصلة خمسة ايام وافطرت بعدها على قليل أرز دون أدام وكنت أقرأ القرآن كل يوم وأتجهد بما شاء الله وكنت إذا أكلت الطعام آذاني فإذا طرحته وجدت الراحة وأقمت كذلك أربعين يوما ثم بعث عني ثانية

ولما كملت لي أربعون يوما بعث إلي السلطان خيلا مسرجة وجواري وغلمانا وثيابا ونفقة فلبست ثيابه وقصدته وكانت لي جبة قطن زرقاء مبطنة لبستها أيام اعتكافي فلما جردتها ولبست ثياب السلطان أنكرت نفسي وكنت متى نظرت إلى تلك الجبة أجد نورا في باطني ولم تزل عندي إلى أن سلبني الكفار في البحر ولما وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت