ولما كان بعد مدة انقبضت عن الخدمة ولازمت الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد الخاشع الورع فريد الدهر ووحيد العصر كمال الدين عبد الله الغاري وكان من الأولياء وله كرامات كثيرة قد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه وانقطعت إلى خدمة هذا الشيخ ووهبت ما عندي للفقراء والمساكين وكان الشيخ يواصل عشرة أيام وربما واصل عشرين فكنت أحب أن أواصل فكان ينهاني ويأمرني بالرفق على نفسي في العبادة ويقول لي إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقي معي فخرجت عن جميع ما عندي من قليل وكثير وأعطيت ثياب ظهري لفقير ولبست ثيابه ولزمت هذا الشيخ خمسة أشهر والسلطان إذ ذاك غائب ببلاد السند
ولما بلغ السلطان خبر خروجي عن الدنيا استدعاني وهو يومئذ بسيوستان فدخلت عليه في زي الفقراء فكلمني أحسن كلام وألطفه وأراد مني الرجوع إلى الخدمة فأبيت وطلبت منه الإذن في السفر إلى الحجاز فأذن لي فيه وانصرفت عنه ونزلت بزاوية تعرف بالنسبة إلى الملك بشير وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ثنتين وأربعين فاعتكفت بها شهر رجب وعشرة من شعبان وانتهيت إلى مواصلة خمسة ايام وافطرت بعدها على قليل أرز دون أدام وكنت أقرأ القرآن كل يوم وأتجهد بما شاء الله وكنت إذا أكلت الطعام آذاني فإذا طرحته وجدت الراحة وأقمت كذلك أربعين يوما ثم بعث عني ثانية
ولما كملت لي أربعون يوما بعث إلي السلطان خيلا مسرجة وجواري وغلمانا وثيابا ونفقة فلبست ثيابه وقصدته وكانت لي جبة قطن زرقاء مبطنة لبستها أيام اعتكافي فلما جردتها ولبست ثياب السلطان أنكرت نفسي وكنت متى نظرت إلى تلك الجبة أجد نورا في باطني ولم تزل عندي إلى أن سلبني الكفار في البحر ولما وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده