وفي التنزيل يقول الحق - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ، والمعنى: كونوا مع محمد - صلى الله عليه وسلم، كما روي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما، وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى:"إذا أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة".
فنبّه هذا الإمام العظيم على أمرين يُستعانُ بهما على التحلِّي بالصدق، واللحاق بركب الصادقين، وهما:
1 -الزهد في الدنيا والواجب منه ترك الحرام وكماله بترك فضول الحلال ومالا نفع في الآخرة وإنما كان الزهد في الدنيا أساسًا للصدق وسببًا له؛ لأن الزاهد يعرِفُ أن الدنيا حاضر يأمل منه البر والفاجر، وأنه ينبغي أن تتخِذَ عونًا على الآخرة لا شغلًا عنها، وقد انصَبَّ همُّهُ على آخرته، وتعلَّق قلبُهُ بربِّهِ.
ولهذا يبتغى وجه الله - تعالى - فيما يأتي وما يذر ومن ثم فلا حاجة به إلى أن يكذب من أجل حظوظ الدنيا لأن حب الدنيا والولع بمتعها والطمع في تحصيل ما يراد منها هو السبب الوحيد أو الأعظم للكذب فمن كانت همَّته الآخرة جانب الكذب لهوانه عنده وهوان أهله وهوان ما يترتَّب عليه من متع الدنيا.
2 -أما السبب الثاني للصدق والفوز بمعية الصادقين في نظر ذلك الإمام العظيم فهو الكف عن أهل الملة - أي: أهل الإسلام - فإن (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) )، و (( المؤمن من أَمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم ) )فمن أمن الناس بوائقه من بغض وحسد ونظرة عين ونحو ذلك من الغوائل والشرور لشدة حرمة هذه الأمور في الشرع وتعظيمه لحرمات إخوانه فذلك هو المؤمن الكامل الإيمان.
والإيمان الكامل الصادق فيه يحجز صاحبه عن الكذب كما يحجزه عن سائر المحرمات وكبائر الذنوب لقوة إيمانه وصدقه في عبادته وعظم خشيته منه لكمال علمه به.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.