فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 865

وربما رأوا أنَّ من خير الوَسائل لكسْب المال مع إضْعاف العرب سياسيًّا واقتصاديًّا والتمكُّن منهم، تهييجَ العصبيَّة الجاهليَّة، وإذكاء نار الفتن التي تشتَعِل بسببها الحروبُ لأتْفه الأسباب، فلا تَكاد تنطَفِئ نارها بين حَيَّيْن من العرب إلاَّ لتشتعل في جهةٍ أخرى، وحال عرب المدينة المجاوِرين لليهود قُبَيل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها أصدقُ شاهدٍ على ذلك، وكان كلُّ طرفٍ من المتحاربين يستَعِين على أخيه باليهود في المشورة والمال والسلاح، فيقوم اليهود بإقراض كلِّ طرفٍ المالَ بفوائد باهظة، ويبيعونهم السلاحَ بأثمانٍ مضاعفة.

وللصاغة اليهود حال السلم معاملةٌ مماثلةٌ، وبذلك حافَظ اليهود على مَكانتهم بين العرب بواسطة فَساد ذات البَيْن وذلِّ الدَّين، وكانت ظاهرة انتشار الربا بين العرب مَظهَرًا من مَظاهِر الانحِراف عن الحنيفيَّة ملَّة إبراهيم في العقيدة والأخلاق، وأثرًا من آثار التبعيَّة الفكريَّة لليهود في الاقتصاد، وسببًا من أسباب النُّفوذ السياسي لأساطين اليهود، فكان شُيُوع الربا في العرب عاملًا مهمًّا في إضعافهم دينيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا؛ فنتج عن ذلك كله تفكُّك مجتمعهم، وشدَّة بأسهم بينهم، وضعْفهم أمام أعدائهم، حتى تمكَّنوا منهم فأذلُّوهم وأهانوهم، حتى جاءَ الإسلام بتشريعاته الحكيمة التي منها تحريم الربا، فصحَّت به عقيدتهم، وصَلَحتْ أحوالُهم، وحسُنت أخلاقهم، وعظُم جِهادهم، فقامت دولتُهم، وعزَّ جانبُهم، وهابَهم أعداؤهم، وعَمَّ خيرهم على أنفُسهم وعلى مَن حولَهم، وتحرَّروا من ذلِّ العبوديَّة لشِرار الخلق، فكان تحرُّرهم من الربا سببًا في تحرُّرهم من ذلِّ التمرُّد على الحق والعبوديَّة للخلْق، وفي ذلك عبرةٌ لمن اعتبر، وذكرى لمن ادَّكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت