الحمد لله وبعد:
فإن من المتفق عليه لدى أهل العلم أن شهور السنة كلها وقت للعمرة.
وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لامرأة كانت قد عزمت على الحج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنها لم تتمكَّن من ذلك بسبب مرض زوجها، ثم وفاته: (( إن عمرة في رمضان تعدل حجَّة ) )، وفي رواية: (( حجة معي ) )، فدلَّ ذلك على فضل إيقاع العمرة في رمضان.
ولكن قد ثبت في الأحاديث الصحيحة من وجوه متعدِّدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أدَّى عُمَرَه كلَّها في أشهر الحج - شوال، وذي القعدة، وذي الحجة - وآخرهنَّ: عمرته - صلى الله عليه وسلم - التي كانت مع حجَّته، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد حجَّ قارِنًا.
وكان جمهور الصحابة - رضي الله عنهم - مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك العمرة، وأكثر ما كانوا في حجة الوداع، وكان منهم القارن والمتمتع والمفرد، ثم لما طافوا وسعوا أصبح رابع من ذي الحجة ألزم النبي - صلى الله عليه وسلم - كل من لم يسق الهدي من مُفرِدٍ أو قارِن.
لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة - أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، فصار الصحابة جميعًا ما بين قارِنٍ ومُتمتِّعٍ.
فيتبين من ذلك:
أن أفضل الأزمنة لإيقاع العمرة وأحقها بها أشهر الحج، فوقوع العمرة - وهي حج أصغر - في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وذلك من وجهين:
الأول: أن الله لم يكن ليختار لعمر نبيه إلا أفضل الأوقات وأشرفها.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليختار لأصحابه إلا أفضل الأوقات للعمرة، فإنه {حريصٌ عليكم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .