انتشر في عصر السّيّد محب الدّين نوع من الصّحافة سُمّي بالصّحافة الهزليّة, وكانت هذه الصّحافة تنتقد الأوضاع في ذلك العصر, بصورة تحمل من الفكاهة الشّيء الكثير. وكانت هذه الصّحف تجد رواجًا وقبولًا بين النّاس, بسبب أسلوبها الشّيّق الممتع والمضحك بآن معًا, والّذي كان يعبّر عن مشاعر النّاس ومطالبهم في الوقت نفسه.
قام السّيّد محب الدّين في بداية حياته بإصدار صحيفة هزليّة سمّاها"طار الخرج", ومرّ معنا خلال حديثنا عن حياة السّيّد محب الدّين [1] أنّ هذه الصّحيفة لم يصدر منها إلّا عدد واحد فقط, وقد سبّب للسّيّد محب الدّين الكثير من المشاكل مع السّلطة العثمانيّة, وتعرّض للملاحقة من قبل الضّابطيّة العثمانيّة, مما منعه من إتمام تعليمه الجامعيّ.
كان هذا العدد من طار الخرج أوّل عدد يقوم السّيّد محب الدّين بإصداره وكتابته بنفسه, ولم يترك شيئًا في نفسه إلّا عبّر عنه, ووضعه في تلك الجريدة الصّغيرة [2] . وقد كتب مواد هذه الصّحيفة باللّغة العاميّة حينًا, أو بالفصحى والعاميّة معًا حينًا آخر, منتقدًا الحكومة العثمانيّة, والوالي العثمّاني, ومدير المعارف, والأوضاع الّتي لم تكن مستقرّة في ذلك الوقت. وصدر هذا العدد, على الأرجح, في أواخر عام 1908 م وأوائل عام 1909 م [3] .
(1) ـ مرّ معنا في البحث, أنّ هذه الصّحيفة صدرت عن دار القبس, حيث كان السّيّد محمّد كرد علي يصدر منها جريدته في دمشق, وقد جاء السّيّد محب الدّين زائرًا إلى هذه الدّار, فطلب منه صديقه السّيّد محمّد كرد علي أن يحلّ محلّه في إصدار عدد جريدة القبس لليوم التّالي. وفي أثناء ذلك جاءه عمّال الصّحيفة وطلبوا منه أن يكتب لهم مواد عدد من مجلّة هزليّة تنتقد أوضاع الفوضى في البلاد, بأسلوبه وباللّغة العاميّة ليروج بسرعة, فينتفعون بثمنه, وفعلًا كتب محب الدّين مواد العدد قطعة قطعة, والعمال يجمعون حروف ما يكتب, فكان من أخباره:"هجوم الدّروز على جيرانهم من أهل حوران", و"تلبية الوالي ناظم باشا لدعوة أحد الأعيان", إلى غير ذلك من الأخبار المشابهة. وطُبع العدد ووزع في اليوم التّالي, ولاقى نجاحًا كبيرًا؛ انظر, الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 49.
(2) ـ الرّيماوي, سهيلة ياسين,"جانب من فعاليات محب الدّين الخطيب الجانب الصّحفي", في دراسات تاريخيّة,10 (33, 34/ 1989) , 28.
(3) ـ المصدر نفسه, 28.