وعلمه وورعه الّذي قلّ أن يُوجد مثله, قدوة ومثالًا رائعًا لولده الّذي تأثّر به, وحافظ على ذكراه الطّيبة إلى آخر أيّامه.
أمّا أمّه آسية [1] , فهي سيّدة فاضلة, ذات خلق ودين, توفّيت بين مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة, وهي عائدة من أداء فريضة الحجّ، في أواخر سنة 1310 هـ, الموافق لأواسط تموز من سنة 1893 م. وكان ولدها السّيّد محب الدّين صغيرًا في حجرها ساعة موتها، لم يتجاوز السّابعة من عمره, وقد دُفنت في فلاة بين الحرمين الشّريفين. وظلّت ذكريات هذه الرّحلة ووفاة والدته بهذا الشّكل المحزن ماثلة في مخيلة السّيّد محب الدّين منذ طفولته إلى آخر أيّامه [2] .
وهكذا ذاق السّيّد محب الدّين اليتم مبكّرًا، فشمله والده بعطفه ورعايته، ولكنّ هذا الوالد الحنون لم يلبث هو الآخر أن تُوفي بعد وفاة زوجته بأربع سنين، فأصبح السّيّد محب الدّين يتيم الأبّ والأمّ معًا، ولم يتجاوز من العمر الثّانية عشرة، فتربّى في بيت أخته الكبرى السّيّدة باهية [3] ، فأخذته بالشّدة، فكانت دارها أشبه بمدرسة عسكريّة [4] .
تعلّم السّيّد محب الدّين القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم قبل أن يبلغ السّابعة من عمره. وبعد وفاة والدته أدخله والده التّعليم الابتدائي، فدرس في مدرسة التّرقي
(1) ـ آسية, بنت محمّد بن أحمد بن شحادة الجلاّد. أبوها من أصحاب الأملاك الزّراعيّة, وأخوتها من أهل التّجارة والزّراعة؛ انظر, الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 4؛ والحافظ, محمد مطيع, وأباظة, نزار, تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري, دمشق, دار الفكر, 1406/ 1986, 2, 847.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 5.
(3) ـ باهية الخطيب, بنت أبي الفتح الخطيب, ولدت سنة 1288 هـ, وهي الأخت الكبرى للسّيّد محب الدّين الخطيب, وقد ربّته, واعتنت به بعد وفاة والده, وقد كانت إمرأة صارمة, شديدة؛ انظر, الطّنطاوي, علي, ذكريات علي الطّنطاوي, 2, 119.
(4) ـ المصدر نفسه, 2, 119.