لقد كان السّيّد محب الدّين يرى أنّ العلم في زماننا صار مجرد بضاعة بنظر العلماء, وهو مجرد ألفاظ للتّبرّك بنظر الجماهير, وإذا لم يتخلّص العلم من هذه الآفات فلن نستطيع الاستفادة منه, لأنّ آفة العلم في زماننا من جانب العلماء أنّه بضاعة تصدير, وآفته من جانب الجماهير أنّه للتّبرّك بألفاظه أو الإعجاب بأسلوبه, لا للعمل بمعانيه ومدلولاته. وكان يعتقد أنّنا يوم نرجع إلى اعتبار العلم تعاقدًا بين أهله على العمل به, تعود حينئذ إلى العلم قيمة نصوصه, وتصير كلمات الحقّ والخير بقيمة الدّنانير , بل يكون الحرص عليها كالحرص على الغذاء [1] .
وكان يدعو المسلمين إلى أن يتصوّروا أنفسهم عائشين في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. أو يتمثّلوا صورة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - يعيش بينهم ويوجّههم, وعليهم هم أن يلتزموا بما يأمرهم به النّبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان يؤكّد أنّ على المسلمين أن يتعاملوا مع دينهم وأن يطبّقوه في حياتهم كما كان الصّحابة رضوان اللّه عليهم يفعلون, فيجب علينا كما يقول:"أن نفترض وجود النّبي - صلى الله عليه وسلم - بيننا, وأن نتحرّى معرفة رسالته على وجهها كما كانت معروفة في زمنه, وأن نؤهّل نفوسنا للدّخول في صفوف أتباعه وأنصاره, وذلك بالتّخلّق بأخلاقهم, والسّير في طريقهم, وتلقّي هداية نبينا بعقليّتهم ليكون لها فينا مثل النّتائج الّتي كانت لها فيهم, وليكون لنا فيها مثل الأثر الّذي كان لهم فيها إنّ حياة النّبي - صلى الله عليه وسلم - تزداد وتتسع آفاقها ما عملنا على إحياء رسالته بيننا, وتحقيقها كما لو كان بين ظهرانينا" [2] . ولذلك فإنّ محب الدّين كان يطلب من المسلمين في كلّ وقت أن يتصوّروا ويستحضروا صورة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين, لأنّ هذا سيساعدهم على تطبيق الإسلام في حياتهم كما كان يطبّقها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضوان اللّه عليهم.
(1) ـ المصدر نفسه, نفس الصّفحة.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"سؤال جديّ في ذكرى المولد المحمّدي", في الفتح,820 (ربيع الأوّل, 1364) , 308 ـ 309.