الدّولة, وبها نصل إلى الأهداف الّتي نريد, يقول:"إنّ أسلوب التّربية والتّثقيف في المدارس والجامعة هو الّذي يبني الدّولة, وهو الّذي يكوّن الوحدة, وهو الّذي يسير بالأمّة إلى الأهداف" [1] .
إذًا فالسّيّد محب الدّين كان يرى أنّ التّربية والتّعليم هما الوسيلتان اللّتان يجب الاعتماد عليهما لبناء الحضارة, وبهاتين الوسيلتين نستطيع أن نبدأ بالشّباب, الّذين هم أمل الأمّة ومستقبلها. فإذا استطعنا التّغلّب على مشاكل التّربية والتّعليم في بلادنا استطعنا أن نبني شبابنا. وبالتّالي سيقوم هؤلاء الشّباب الّذين أعددناهم إعدادًا جيّدًا بحمل رسالة الحضارة وبنائها. ولأنّ المدرسة هي مصنع الرّجال, فإنّها ستخرّج لنا التّجار الصّالحين, والعمال المخلصين, والزّرّاع الّذين يقدّمون الغذاء للوطن, والصّنّاع المتقنين الّذين يصنعون ما يحتاجه الوطن من مصنوعات ومنتجات. ولن يكون ذلك برأي السّيّد محب الدّين, إلّا"إذا أدرك شباب الجيل من بني الإسلام أنّ اللّه أعدّهم للخلافة على الأرض بالرّجوع إليه, وبامتلاكهم زمام القوّة في جميع أسباب القوّة من علم وصناعة وزراعة وتجارة, مع التّحلّي بأخلاق الإسلام وفضائله, حتّى تمتزج أرواحهم, وحتّى يتعاملوا بها مع كلّ من يتعامل معهم" [2] .
عالج السّيّد محب الدّين الخطيب مسألة أخرى, كان يعتبرها من الأسباب الأساسيّة في تخلّف العرب والمسلمين, وهذه المسألة هي فقدان الهويّة الخاصّة الّتي تلزم للتّقدّم والرّقيّ. والمقصود بهذه المسألة هو الهويّة الاجتماعيّة, الّتي يجب أن تميّز الأمّة العربيّة والإسلاميّة عن غيرها من باقي الأمم, وتميّز تقدّمها وحضارتها, بحيث تُعرف بين أمم الأرض بهذه الهويّة وهذه السّمة. ويجب أن لا تذوب هذه الأمّة في الأمم الأخرى, لأنّها أمّة عريقة, ذات حضارة وعلم, ولكنّ الظّروف المحيطة لم تساعدها على إظهار هذه الهويّة بالشّكل المطلوب.
وكان يرى أنّ فقدان الهويّة هو مرض أصاب الأمّة العربيّة,"من جملة الأمراض الّتي أصابتها جرّاء التّخلّف الّذي حلّ فيها. وقد جاءنا أيضًا من إهمال أهل الرّأي فينا تنظيم حياتنا الاجتماعيّة, وجعلها ملائمة لديننا من جهة, ولمصلحتنا من جهة أخرى. وهنا نعود فنقول: العيب في القيادة. أي في الّذين بيدهم القيادة الفكريّة أوّلًا والقيادة الماليّة ثانيًا" [3] .
وكان يعتبر أنّ البلاد العربيّة والإسلاميّة فقدت قيادتها الفكريّة, وفقدت بالتّالي هويّتها الحقيقيّة, لأنّ أهل الرّأي والفكر تركوا الأمور تسير دون ترشيد أو تصحيح أو تحسين, ولم يحاولوا إزاحة ما فيه ضرر على عقيدتنا وهويّتنا, وأصبحت الأمور مختلطة, لا يُعرف الصّحيح من الخاطئ."فالتّطور الاجتماعي الجديد قد هاجمنا كالسّيل المتدفّق سواء أردناه أم لم نرده ومن سوء حظّنا أنّ طلائعه جاءتنا ممزوجة الخير بالشّرّ, مختلطة النّفع بالضّر, فإذا أردنا أن نجعل هذا الوطن وطن علم وقوّة ونظام وغنى, يجب علينا أن نأخذ بما في هذا التّطور الاجتماعيّ الجديد من أسباب الخير, وننصّب أنفسنا دعاة لها, ومحرّضين عليها, فنرفع بلادنا إلى مستوى البلاد الرّاقية. وأن نهذّب أخلاقنا, ونطهّر أعراقنا باجتناب ما جاءنا مع هذا التّطور الاجتماعي من أسباب الشّرّ, وننصّب أنفسنا نهاة عنها, ومحذّرين منها" [4] .
ويجب برأيه أن نعرف أنّ أمّتنا قد امتازت بميزة أساسيّة, وهي أنّ آخرها متّصل بأوّلها, وأنّ ماضيها من ثروة حاضرها, وأنّ أهداف مستقبلها مرسومة في سنن أسلافها [5] . وعلى هذا فإنّ نهوض الأمّة منوط بمعرفة ماضينا, والمحافظة على
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"حادثة الجلاء عن سوريا", في الفتح, 834 (جمادى الأولى, 1365) , 533.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين, مع الرّعيل الأوّل, 58.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"بماذا يكون المسلمون أمّة", في الفتح, 125 (محرّم, 1348) , 1.
(4) ـ الخطيب, محب الدّين,"الشّباب", في العاصمة, 100 (جمادى الأولى, 1338 / شباط, 1920) , 1.
(5) ـ الخطيب, محب الدّين,"يا شباب الجيل", في الفتح, 845 (رجب, 1366) , 755.