ولجبروته, لأنّنا إذا استسلمنا له, فمعنى هذا أنّنا رضينا بموت الأمّة, أو بقاءها ضعيفة مهزومة لا تقدر على شيء.
وكان السّيّد محب الدّين يحثّ العاملين على نقل الحضارة الحقيقيّة, دون نقل القشور الزّائفة. وهذه القشور لا ينقلها إلّا الضّعفاء الّذين لا يملكون حضارة, وليس عندهم تراث غنيّ, ساهم في تقدّم البشريّة كلّها. وكان يتساءل:"تُرى متى يوجد فينا العاملون على نقل صناعات أوروبّا إلى الشّرق فيقوى بها الشّرق. ويحلّ هؤلاء العاملون الصّالحون محلّ الدّعاة إلى نشر مصنوعات أوروبّا في الشّرق, فكانوا سبب ضعفه واستعباده؟. نريد الجوهر لا العرض, نريد اللّباب لا القشور, نريد الصّناعات لا المصنوعات" [1] .
ولكنّه برغم كلّ شيء كان متفائلًا, وكان يرى أنّ الإصلاح والنّهضة لابدّ آتيان, إن عاجلًا أو آجلًا. بشرط أن يعمل العاملون على قيام هذه النّهضة, بكلّ جهد وإخلاص ومحبة لهذا الوطن وأهله. وكان يقول:"بدأ الشّرق العربيّ يفتح عينيه, فنرجو أن يكون المثقّفون من رجاله حكماء في معالجة ما يحتاج إلى العلاج من عيوبهم الّتي أقرّها المستعمرون وزخرفوها, وخادعوا بزخرفها النّاس. وإذا عالجها أبناء الوطن بأساليب التّعاون, وبروح الحكمة والرّحمة المنبعثة من صميم الإسلام, فإنّهم عند نجاحهم في مهمّتهم العظمى وتمتّع أمّتهم بثمراتها ستظهر لهم وللأجيال من بعدهم فداحة مسؤوليّة ما فعل الاستعمار, يوم كان يأخذ بيد الأوطان العربيّة إلى مصلحته هو وحده, لا إلى ما كانت تقتضيه أمانة الحضارة" [2] .
وأخيرًا, فإنّ السّيّد محب الدّين كان يرحّب بكلّ ما يجد فيه خلاصًا أو محرّكًا للأمّة, أو يسهم في ايقاظها من غفوتها, حتّى المصائب فقد اعتبرها خيرًا, إذ أنّه وجد فيها محرّكًا وموقظًا لهذه الأمّة. وكان يقول:"فمن ذا الّذي يكره المصيبة إذا كانت من عوامل اليقظة والانتباه؟! أيّتها المصائب إنّ الزّمان قد استدار, ونحن الآن في إبّان الانتقال من طور إلى طور, لنعود كما كنّا أمّة عاملة صالحة, تعرف واجبها نحو الإنسانيّة, فتؤدّيه في حينه, وتعرف حقّها في هذه الحياة فتطلبه من كلّ وجوهه. وقد كان لوخزاتك المؤلمة أيّتها المصائب فضل كبير علينا, في إخراجنا من طور الرّاحة المميتة, إلى طور العمل المفيد. لذلك أنا أمجّدك أيّتها المصائب, وأعدّك من أكبر عوامل نهوضنا, وأقول كما كان يقول أسلافنا جزى المصائب عنّا كلّ خير" [3] .
وخلاصة القول هو فيما كتبه بعنوان"الأساس الّذي نقيم عليه نهضتنا". هذا المقال الّذي أوضح فيه ما يمكن أن نسمّيه خلاصة بحثه في الإصلاح. قال فيه:"الأمم العربيّة والعالم الإسلاميّ على أبواب نهضة وبعث جديد لا شكّ فيهما, وفي كلّ يوم ألقى شبابًا من شبابنا المثقّف يسألني الواحد منهم أوّل ما يسأل: ماذا يجب أن نعمل؟ بماذا يجب أن أبدأ؟. ما الطّريق الّذي تشير عليّ بأن أجعله طريقي في الحياة؟ وجوابي دائمًا لأمثال هؤلاء الشّبان الأطهار, إنّ العمل كثير, والمهمّة الّتي تواجه هذا الجيل, وكان يجب عليه أن يضطلع بها كاملة وافية أعظم من أن يكفي لها عددنا لو أنّنا تفرّغنا كلّنا لها. لأنّ من ورائنا تراث أربعة عشر قرنًا في الإسلام, يجب علينا دراسته وتحليله, ومعرفة جميع عناصر الخير والشّرّ الّتي فيه, وسيرة الّذين عملوا فيه لأخذ المسلمين إلى طريق الإسلام, والآخرين الّذين عملوا لتحويل المسلمين عن أهداف الإسلام باسم الإسلام, وأولئك من الكثرة إلى درجة أنّ الّذين نسمع بأسمائهم, ونعرف شيئًا عنهم, لا يبلغون جزءًا من مليون جزء من رجال العلم والأخلاق والفضائل والجهاد في سبيل الحقّ والخير والآخرون الّذين أفسدوا في الإسلام, باسم الإسلام, قد أنسى اللّه المسلمين العدد الأعظم من أسمائهم, فماتوا,"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"معرض الخطاطين في القسطنطنيّة", في الزّهراء, 2 (رمضان, 1344) , 517.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"مسؤوليّة انجلترا في مصر", في الفتح, 836 (رجب, 1365) ,570.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين, الحديقة, 2, 129 ـ 130.