10 ـ والسّيّد محب الدّين كان يؤمن بالتّجديد, ولكنّه بنفس الوقت لا يريد من هذا التّجديد أن يُخرج المسلمين والعرب عن قوميّتهم ويُنسيهم هويّتهم العربيّة الإسلاميّة, فإذا كان الفوز كلّ الفوز عند أعداء القوميّة في أن يُزلزلوا عقيدة الشّاب من شبابنا بدينه وقوميّته ويبعدوه عنهما إلى جهة هؤلاء الإفرنج, ولو بالظّواهر الّتي لا يتوقف عليها نهوض ولا تقدّم, ثمّ يريدون منّا أن نعدّ ذلك إصلاحًا وتجديدًا, فذلك مما لا يسلّم به رجل في قلبه ذرة من إيمان, ولا يستطيع السّكوت عليه فتى تجول في عروقه قطرة من دم القوميّة الطّاهر [1] .
ومن هذا المنطلق حارب السّيّد محب الدّين الدّعوات الّتي ظهرت في بعض البلاد العربيّة, والّتي كانت تتضمّن أفكارًا تدعو إلى ترك رابطة العروبة, من مثل الدّعوة الّتي ظهرت في مصر, تدعو إلى جعل الرّابطة الفرعونيّة هي الرّابطة الّتي تجمع المصريين دون غيرهم أو الدّعوة إلى الفينيقيّة الّتي ظهرت في سوريا ولبنان. وكان يعتبر أنّ كلّ من يدعو إلى هذه الدّعوات لا يستحقّ أن ينتمي إلى العروبة. وكان يقول:"إنّنا معاشر السّوريين سلالة أقوام تنتسب كلّها إلى سام بن نوح - عليه السلام - , وقد ثبت الآن بالقواعد العلميّة أنّ أصل السّاميين جميعًا من جزيرة العرب, .... وإذا كان من أبناء سوريا من يريد أن ينسلخ عن الجنسيّة السّاميّة الّتي تفتخر بإبراهيم وموسى والمسيح ومحمّد - صلى الله عليه وسلم - , ويفضّل أن يكون دمه الّذي يجول في عروقه هو من دم أبناء الوثنيتين اليونانيّة والرّومانيّة لامن دم الأنبياء الّذين تقدّس مبادئهم ومذاهبهم أقفار الأرض من قطبها إلى قطبها, فليعلن ذلك على ملأ الأشهاد, وسوف لا تخسر سوريا شيئًا بانسلاخه عنها وعن أمجادها" [2] .
وعنده أنّ أهل الحضارة لا أنساب بينهم واللّغة هي رمز قوميّتهم والأرض هي عنوان وطنيّتهم فالمصريّ وُلد في مصر متكلّمًا بالعربيّة هو مصريّ الوطن, عربيّ القوميّة, والعراقيّ وُلد في العراق متكلّمًا بالعربيّة فهو عراقيّ الوطن, عربيّ القوميّة, الحضارة بوتقة تذوب فيها الأنساب, والعبرة فيها ليست للدّمّ ولا الأصل [3] .
وبقي السّيّد محب الدّين مؤمنًا بالقوميّة العربيّة, هذه القوميّة الّتي تجمع العرب في وطن واحد, وتعيد إليهم القيادة والرّيادة على العالم الإسلاميّ, ولا تخرجهم عن الإسلام. وقد سعى لتحقيقها بكلّ ما يملك من أسلحة, وذلك من خلال العمل السّياسي, واشتراكه في كثير من الجمعيّات السّريّة الّتي كانت تدافع عن حقوق العرب, ومن خلال اشتراكه في الثّورة العربيّة الكبرى, ومن خلال كتاباته, ودعوته الدّائمة إلى قيام هذه القوميّة. وكان يردد باستمرار"أنا عشت ما عشت للعروبة والإسلام, وحرصت ما استطعت أن أعرف ما يمكنني معرفته من امتدادها في الماضي, وكانت هذه المعرفة الضّئيلة عن امتدادهما في الماضي, توحي إليّ ما يُرجى أن يكون من امتدادهما في المستقبل" [4] .
إنّ القوميّة الّتي آمن بها السّيّد محب الدّين لم تكن تخرج عن الإسلام, فقد كانت نظرة السّيّد محب الدّين إلى هذا الموضوع تتلخّص بأنّه كان يريد كيانًا قوميًّا يجمع العرب, ولا يخرجهم من الإسلام ويكون بداية لكيان إسلاميّ يجمع المسلمين,
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"محافظون", في الزّهراء, 3 (محرّم, 1345) , 6.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"قوميّتنا العربيّة", في العاصمة, 48 (ذي القعدة, 1337/آب, 1919) , 1.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"عربيّ القبيلة وعربيّ الحضارة الإسلاميّة", في الفتح, 858 (شعبان, 1367) , 180.
(4) ـ الخطيب, محب الدّين,"من خواطر غريب", في الفتح, 864 (صفر, 1368) , 36.