إنّ الحديث عن السّيّد محب الدّين الخطيب واللّغة العربيّة حديث طويل, فقد كان لهذه اللّغة الكثير من الحبّ في قلب السّيّد محب الدّين, هذا الحبّ الّذي نشأ معه وملأ نفسه وعقله وروحه, حتّى غدت هذه اللّغة بالنّسبة إليه شيئًا هامًّا جدًّا, يدافع عنه, ويُظهر أهميّته, ومحاسنه, ويدعو لاحترامه, ولتعلّمه, والفخر به. فحبّ اللّغة العربية نشأ معه منذ الصّغر, من خلال بيئته الّتي تربّى فيها, واعتبر أنّ من بواكير آلاء اللّه عليه ولادته في لجّة صغيرة من بحر علم السّلف, تراث العروبة والإسلام. فقد كان والده, رحمه اللّه تعالى, يتولّى أمانة دار الكتب الظّاهريّة في دمشق من قبل أن يُولد له حتّى لقي ربّه. ثمّ صحب الشّيخ طاهر الجزائري, أعلم من عرف بماضي هذه الأمّة, وأقدار رجالها [1] .
بيّن السّيّد محب الدّين أنّ الشّيخ طاهر كان الرّجل الّذي أخذ عنه حب العربيّة وعرف منه أهمّيتها ومجدها. فقد رأينا أنّه وظّفه في دار الكتب الظّاهريّة, وكلّفه بكتابة بعض المخطوطات, الّتي عرف عن طريقها التّراث العظيم لهذه اللّغة, وقد دلّه على الشّيخ أحمد النّويلاتي الّذي علّمه قواعد وأصول اللّغة العربيّة.
وزاد من حبّه لهذه اللّغة كثرة مطالعته لتراث السّلف, فكانت هذه المطالعات المتواصلة ليل نهار والتّفكير فيها سبيلًا لتكوين رسالة فكريّة في مدارك السّيّد محب الدّين وعقيدة أدبيّة في قلبه وروحه. ولعلّ أهمّ عناصرها انتباهه إلى أنّ جميع أمم الأرض كانت في بداوتها وجاهليّتها ضيّقة الفكر ضيّقة المدارك, وكانت لغتها تبعًا لذلك بدائيّة جافية فقيرة قبل استفحال الحضارة, إلّا العرب ولغتهم في بداوتهم واسعة,
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, من مقدّمة كتاب الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير لأبي محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمذاني, 10.