العظمى ورحمته بالبشر جديرة بأن تُحسن إليهم الآن برسالة الإسلام نفسها دون غيرها, لما انطوت عليه من اعتدال ورفق, ومعالجة عمليّة لجميع مشاكل المجتمع, وإقرار للأوضاع المألوفة لبني الإنسانيّة, مع تهذيبها بإبقاء ما فيها من حقّ, وتجريدها من كلّ ما يتّصل بأسباب الجور والحيف والغدر. فالزّمن الّذي نحن فيه أنسب الأزمان لقبول الإنسانيّة مبادئ الإسلام وأحكامه, مطبّقة على كلّ مشاكل العصر, ومنظّمة تنظيمًا يُسهّل على رجال التّشريع وزعماء الشّعوب وقادة الفكر الاستفادة منها في معالجة مشاكلهم, والتّفهّم لما انطوت عليه من حكمة ومصلحة وخير [1] .
وكان السّيّد محب الدّين يرى أنّ العالم كلّه بحاجة إلى الإسلام, لأنّه يملك من الخصائص ما يمكن معه أنّ يقدّم خير مثال متكامل للحياة, فإذا عمل النّاس بالإسلام فإنّهم سيعيشون بسلام وسعادة في الدّنيا والآخرة وقد كانت هذه الفكرة فكرة أساسيّة في مفهوم الإسلام عند السّيّد محب الدّين. وقد أثبتها في كثير من كتاباته ومقالاته وآرائه الّتي كان يعلنها بين قرّائه, من ذلك مثلًا ما كان يقوله:"إنّ إسلامنا يتناول البيت كما يتناول الجامع, ويفرض سننه وأحكامه على المجتمع كما يفرضها على الفرد. وسنن الإسلام وأحكامه مصدر كريم من مصادر ثقافتنا, فلا يكفي أن نعرف كيف نصلّي, بل يجب أن نعرف كيف نكون أفرادًا مسلمين في مجتمع إسلاميّ, وأن نعرف كيف نكون رعايا مسلمين لدولة إسلاميّة" [2] . لذلك فإنّ الزّمن الّذي نعيش فيه الآن في أشدّ الحاجة إلى الإسلام, وهذا الوقت هو أنسب الأوقات, في نظره, لقبول الإسلام, لأنّ هذه الإنسانيّة بحاجة ماسّة لهذا الدّين, الّذي لا يُغفل الدّنيا ولا ينسى الآخرة. فالإنسان اليوم هو في أشدّ الحاجة إلى من ينظّم له الدّنيا, فلا يجعله عبدًا لها, ولا ينسيه نصيبه منها, كما أنّه يضمن له الآخرة, فلا يجعله من الخاسرين فيها, والإسلام هو الدّين الّذي يضمن له ذلك.
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, مع الرّعيل الأوّل, 15.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين, منهج الثّقافة الإسلاميّة, 14.