والجماعة المنصفة المنظّمة, المقيمة للحقّ, المتعاملة بالإيثار والرّحمة في الدّنيا, هم أهل اللّه وأحبّاؤه في الآخرة [1] .
وهذه الميزة للإسلام تدفع أفراده للعمل الدّائم الدّائب لرفعة المسلمين في الدّنيا ولفلاحهم في الآخرة. وبهذا فقد اعتبر الإسلام أنّ العمل عبادة, والعلم عبادة, وكلّ ما يقوم به المسلم لفائدة نفسه أو غيره أو أمّته هو عبادة, فقد امتاز الإسلام على جميع ديانات البشر بأنّه كما فرض على أهله عبادة اللّه الّتي فرضتها الدّيانات الأخرى على أهلها فرض عليهم أمرين آخرين غير العبادة, أوّلهما العمل والكسب, وثانيهما العلم, فالمسلم مفروض عليه حتمًا أن يعمل ويكسب, ومفروض عليه حتمًا أن يستنير قلبه وعقله بالعلم والمعرفة. وهاتان الفريضتان لمّا حثّ الإسلام عليهما جعل لهما مثل ثواب الجهاد والعبادة [2] . لذلك فإنّ السّيّد محب الدّين كان يعتبر أنّ الأمّة الصّالحة, هي الأمّة الّتي تملك أفرادًا صالحين في الدّنيا وفي الآخرة, وصلاح الأفراد يشمل أمور الدّنيا وأمور الآخرة, لأنّ الإسلام جاء للسّعادتين فيهما معًا. والدّنيا في الإسلام مزرعة الآخرة, والأمّة الّتي تهمل إصلاح دنياها يُوشك أن تكون أكثر إهمالًا لما يصلح أخراها [3] .
فهو عنده وحدة واحدة لا ينفصل فيه العمل عن العقيدة, ولا الأخلاق عن العبادة, ولا الفهم عن التّطبيق. فالإسلام كلّ لا يتجزّأ, ففضائله بغير عقائده ناقصة, وعباداته مجرّدة من فضائله تلعن صاحبها, وعقائده مجرّدة من أنظمته تعيش مريضة,
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظام الإسلام الإقتصادي", في الفتح, 833 (ربيع الآخر, 1365) ,520.
(2) ـ المصدر نفسه, 517.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"متى نكون أمّة صالحة؟", في الفتح, 844 (جمادى الآخرة, 1366) , 732.