فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 446

حتّى تُقام أنظمته فتحيا بها عقائده [1] . لذلك لا يمكن لمسلم أن يأخذ من الإسلام ما يشاء, ويدع ما يشاء, بل يجب عليه أن يأخذ الإسلام كلّه, ويطبّقه في حياته, في بيته, وفي مدرسته, وفي عمله, وفي تعاملاته مع النّاس, وفي كلّ كبيرة وصغيرة من أموره, وإلّا فإنّه لا يُعتبر مسلمًا.

والإسلام, في نظر السّيّد محب الدّين,"نظام قائم بذاته, ومن سننه الّتي التزمها أئمته وهداته, وشدّدوا في التزامها وتواصوا بها عصرًا فعصرًا, أن لا يُشاب بغيره وأن لا يُمذق محضه, حتّى ولا بماء السّماء, لأنّ ذلك غشّ, وإذا كان المذَّاق في لغة العرب وأخلاقها هو الكذوب, فإنّه في دين الحنفيّة وسننها هو الجاحد الكافر" [2] . وبهذا لا يمكن لمسلم أن يرضى بغير الإسلام نظامًا للحياة وأن يقبل بحكم غير حكم الإسلام. وإذا تعذّر عليه إقامة حكم الإسلام في بلده, وجب عليه أن يرحل إلى بلد آخر, يستطيع فيه أن يقيم فيه حكم الإسلام. وذلك لأنّ في الإسلام ظاهرة يمتاز بها على غيره من الأديان الّتي تموج أقطار الأرض بأتباعها, فأهل الدّيانات الأخرى ينحصر معنى الدّين عندهم في العقيدة والعبادة, فإذا ضمنا لهم في أيّ نظام من أنظمة الحكم اكتفوا بهما, وأذعنوا لذلك النّظام مهما كان, ولا يعرفون دينهم إلّا ساعة الاجتماع في المعابد. أمّا الإسلام فكما أنّه دين عقيدة وعبادة, فإنّه يشمل أيضًا الآداب في المنازل والمجتمعات, والتّعاون بين الأفراد والجماعات, ويتناول العقود والمصالح والإلتزامات, وتتسع دائرته فتحيط بنظام الحكم كلّه. والمسلمون لا يعتبرون أنفسهم عائشين في بلد إسلاميّ إلّا إذا ساد نظام الإسلام بلدهم, وقامت فيه أحكامه وآدابه, كما تقوم فيه شعائره وتسود عقائده, وإذا تعذّر على المسلمين إقامة أحكام دينهم , وجب عليهم الانتقال إلى البلد الّذي يُعمل فيه بأحكام الإسلام وآدابه, تكثيرًا لسواد المسلمين [3] .

(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"المعالم", في الفتح, 861 (ذو القعدة, 1367) , 251.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظام الإسلام", في الفتح, 832 (ربيع الأوّل, 1365) , 500.

(3) ـ الخطيب, محب الدّين, مع الرّعيل الأوّل, 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت