تحدّثنا في الباب الأوّل من هذا البحث عن حياة السّيّد محب الدّين الخطيب، ووجدنا أنّها كانت حافلةً بالجدّ والعمل والإنتاج الغزير. وسنتحدّث في هذا الباب عن أفكار وآراء السّيّد محب الدّين, والّتي يمكن أن نضعها تحت عنوان ضخم وهو العروبة والإسلام. فمحب الدّين كان رجلًا قوميًّا, يفخر بالعرب والعروبة, ويسعى لخدمة الإسلام, ويبيّن أنّ الإسلام قد دعا أهله لمحبّة العرب والعربيّة, وبنفس الوقت أمر العرب بمحبّة إخوانهم في الدّين, دون تكبّر أو تمييز بين مسلم وآخر. فكان هدفه الّذي ظلّ طوال حياته ساعيًا لتحقيقه هو إنهاض الأمّة العربيّة والإسلاميّة, ورغبته القويّة في أن تلحق هذه الأمّة بركب الحضارة وتستعيد سيادتها الّتي تستحقّ على العالم أجمع. وسنلمس هذه الحقائق فيما يلي من البحث بإذن اللّه.
أ ـ الإتجاهات الّتي كانت قائمة في عصره, وموقفها من السّلطنة العثمانيّة:
بسطت السّلطنة العثمانيّة نفوذها على أنحاء شاسعة من الأرض واستطاعت أن تقضي على الإمبراطوريّة البيزنطيّة, وأن تتوسّع في أوروبّا وآسيا وإفريقيا, وضمّت معظم البلاد العربيّة إليها. وعاشت هذه الدّولة أكثر من ستة قرون, حكم خلالها ستة وثلاثون سلطانًا, وكانت تمثّل بسلطتها الخلافة الإسلاميّة في العالم [1] . وقد دخل العرب في حكم العثمانيين كونهم مسلمين مثلهم, والحكم العثماني الّذي تأسس في هذه
(1) ـ الصّبّاغ, ليلى, تاريخ العرب الحديث والمعاصر, 54.