الصّورة أصبح مألوفًا في البلاد العربيّة, لطول أمده من ناحية, ولاكتسابه صفة الخلافة الإسلاميّة من ناحية أخرى [1] .
قسّم المؤرّخون حكم العثمانيين للبلاد العربيّة إلى عصرين متمايزين, الأوّل وهو الّذي يمتدّ من القرن السّادس عشر إلى أواخر القرن الثّامن عشر وبداية القرن التّاسع عشر. وفي هذا العصر خضع العرب لأنظمة الحكم الّتي وُضعت للولايات, وهي أنظمة تركت قدرًا كبيرًا من حريّة التّصرف للسّلطات المحليّة, وتميّز الحكم فيها باللّامركزيّة والبساطة والسّطحيّة والمحافظة. وبهذا لا يُنتظر أن يحدث هذا الحكم تغييرًا جوهريًّا في نظم البلاد, أو حياة المجتمع [2] .
وتقبّل العرب حكم الأتراك العثمانيين لهم, بالرّغم من قيام بعض الثّورات هنا وهناك, طمعًا في منصب, أو تصفية لحسابات خاصّة, وفي هذه الفترة لم ترد على بال أحد فكرة الانفصال عن الدّولة العثمانيّة, فالعالم العربيّ بمعظمه يدين بالإسلام, والعثمانيون كانوا أيضًا مسلمين, وكانت هذه الرّابطة, رابطة الدّين, هي أهمّ سبب جعل العرب يقبلون حكم العثمانيين لهم طوال هذه المدّة. فالعثمانيون بدؤوا ينظرون إلى أنفسهم كورثة للخلافة الإسلاميّة, وذلك بعد أن نجحوا في ضمّ الأراضي العربيّة ومكّة والمدينة إلى امبراطوريّتهم في القرن السّادس عشر, واتّخذ السّلطان العثماني لنفسه دور حامي العالم الإسلاميّ بأكمله [3] .
وعندما جاء العصر الثّاني, والّذي يمتدّ من أوائل القرن التّاسع عشر, إلى حين جلاء العثمانيين عن البلاد العربيّة بعد الثّورة العربيّة الكبرى, وذلك سنة 1918 م,
(1) ـ الحصري, ساطع, أبحاث مختارة في القوميّة العربيّة, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربيّة, 1985, 299.
(2) ـ طربين, أحمد, تاريخ المشرق العربيّ المعاصر, 3.
(3) ـ ماردين, شريف, وحوراني, ألبرت, وس خوري, فيليب, وويلسون, ماري ك, الشرق الأوسط الحديث, ترجمة أسعد صقر, دمشق, دار طلاس, 1996, 3, 17.