أصبحت المركزيّة الشّديدة هي الرّابطة الّتي ربطت الولايات العربيّة بالعاصمة العثمانيّة, وتكلّفت الدّولة أداء واجبات, وتحمّل مسؤوليات لا عهد للرعيّة بها من قبل. وسجّل هذا العصر بداية التّقدّم والنّهوض في الدّولة, بفضل التّنظيمات الإصلاحيّة, الّتي أحدثت انقلابًا عظيمًا في الأمور الإداريّة والقضائيّة, وأثّرت تأثيرًا عميقًا في الأحوال السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والأدبيّة, بحيث يمكن اعتبارها أهمّ الخطوات الّتي اتّخذتها الدّولة نحو اقتباس النّظم الغربيّة [1] .
وكان لتدخّل الأوروبيين في أمور السّلطنة وطمعهم فيها, أثر كبير في فتح العيون على أمور لم تكن معروفة من قبل, فاتّسعت المطالبة بالإصلاح والتّغيير. وجاء سوء الإدارة في الدّاخل, ليزيد الأمور تعقيدًا, فكان أن أدّت هذه الظّروف مجتمعة إلى انقسام سكان السّلطنة إلى أقوام شتّى, كلّ منها له هدف غير الآخر, ومنها ما هو عدوّ عامل لا يرضيه إلّا زوال الدّولة العثمانيّة [2] .
ومع مرور الوقت تدهورت حال السّلطنة العثمانيّة, ولم تجدِ محاولات حكّامها لبعث إصلاحات في جسم السّلطنة المريض. وبدأ تدخّل الأجانب وظهرت أطماعهم فيها, وقامت الثّورات في أجزاء السّلطنة مطالبة بالإصلاح دون التّفكير بالانفصال, فما زالت الجامعة الدّينيّة هي"الجامعة الوحيدة الّتي كانت تجمع بين التّرك والعرب والكرد والأرناؤوط والجركس, ولولاها لكانت هذه السّلطنة تفكّكت منذ قرون" [3] .
عندما قامت الثّورة في تركيّا نفسها وتسلّم الإتحاديّون السّلطة, استبشر العرب وغيرهم من الشّعوب الّتي كانت خاضعة للسّلطنة العثمانيّة بهذا الحكم الجديد, لأنّهم اعتقدوا أنّه سيحمل لهم الإصلاحات الّتي يريدون, وسيعطيهم حقوقهم في المشاركة في حكم البلاد, وحقوقهم في إبداء الرّأي فيما يحصل في السّلطنة. لكنّ الإتحاديّين
(1) ـ طربين, أحمد, تاريخ المشرق العربيّ المعاصر, 3 ـ 4.
(2) ـ أرسلان, شكيب, سيرة ذاتيّة, بيروت, دار الطّليعة, 1969, 58.
(3) ـ المصدر نفسه, 68 ـ 69.