إنّ هذه التّجربة في صحيفة طار الخرج نبّهت الأنظار إلى موهبة السّيّد محب الدّين الصّحيفة, من حيث سيطرته على الخبر ونقله إلى الجماهير, ومخاطبتهم كلّ حسب موقعه [1] . وقد لاقى هذا العدد من الصّحيفة رواجًا كبيرًا بين القرّاء, وبيعت النّسخة الواحدة منه بعشرات أضعاف ثمنها, مما يدلّ على نجاح السّيّد محب الدّين في هذه التّجربة نجاحًا كبيرًا باهرًا. وكان اسم الصّحيفة يمسّ مباشرة حياة العامّة, والّذين يستخدمون عبارة"حط بالخرج"عندما لا يهتمّون بشيء أو حادثة معينة. وعبارة"طار الخرج"تعني أنّه لم يبقَ لدى الشّعب خُرْجٌ [2] يضعون فيه همومهم ومشاكلهم, فقد طفح الكيل من الحالة المترديّة الّتي كانت في تلك الأيام.
لُوحق محب الدّين من قبل السّلطات العثمانيّة بسبب جريدة طار الخرج, وقد اُضطرّ إلى الخروج من دمشق إلى بيروت, ومنها إلى استانبول, ثمّ إلى مصر, الّتي وصلها في رجب 1327 / آب 1909. وبعد أيّام من وصوله إلى القاهرة التحق بجريدة المؤيّد, وكان ذلك في أيلول 1909 م [3] .
صدرت المؤيّد في السّنة التّالية لصدور المقطّم [4] , وذلك في الثّاني من ربيع الأوّل 1307 هـ الموافق 1 ديسمبر 1889 م [5] , وكان الهدف من إصدارها مواجهة
(1) ـ المصدر نفسه, 28.
(2) ـ وهو عبارة عن قطعة من القماش السّميك تكون موضوعة على ظهر الدّابّة لوضع الأغراض فيها.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 52 ـ 53.
(4) ـ المقطّم, أصدرها يعقوب صرّوف, وفارس نمر, وشاهين مكاريوس, سنة 1889 م, وقد جرت في سياستها على مناصرة الإنكليز, وبث الدّعاية لهم؛ انظر, مروّة, أديب, الصّحافة العربيّة نشأتها وتطوّرها, 196.
(5) ـ هيبة, محمّد منصور محمود, الصّحافة الإسلاميّة في مصر بين عبد النّاصر والسّادات 1952 ـ 1981 م, 59.