عاش السّيّد محب الدّين الخطيب في فترة هامّة من فترات التّاريخ العربيّ, هذه الفترة الّتي استقلّ فيها العرب عن التّرك, وبدؤوا بتكوين دولتهم الخاصّة البعيدة عن أيّ سيطرة خارجيّة. وكان الأمل كبيرًا بعد الاستقلال بأن يعمل العرب للنّهضة واللّحاق بركب الحضارة, وتعويض ما فاتهم, إلّا أنّ هذا الأمل لم يدم طويلًا, فقد سيطر الأوروبيّون على هذه البلاد, وزادوا من تخلّفها وجهلها, ومنعوا نهضتها من القيام, بل قتلوا الأمل الّذي شعّ في النّفوس البائسة, ولم يخرجوا إلّا بعد أن جعلوا الوضع أسوأ مما كان عليه, فالتّخلف واحد, والاستبداد واحد, إلّا أنّ البلاد مجزّأة, والقوى مهدرة, وليس هناك من يستطيع أن يجمع الصّفوف, ويوحّد القلوب.
هذه الحالة الّتي استولت على العرب, ردّتهم إلى الجاهليّة الأولى, فماذا يفعل صوت مفكّر ينادي بالوحدة؟ أو صوت مصلح ينادي بالإصلاح؟. وبالرّغم من هذا الوضع المتردّي لم تسكت الأصوات المنادية بالوحدة والإصلاح. فبعد كلّ ما تعرّض له العرب في تاريخهم الحديث من ظلم وقهر وتسلّط, ظلّت أصوات هؤلاء المصلحين تنادي بالإصلاح والتّغيير, علّها تحرك ساكنًا, أو تُوقظ نائمًا.
والسّيّد محب الدّين كانت له رؤيته الخاصّة في الإصلاح. وقد ظهرت من خلال عرضه لحال الأمّة المتخلّف, ومن ثمّ محاولته أن يحلل الأسباب الّتي أدّت إلى هذا الضّعف والانحطاط, ليعرف سبل العلاج اللّازم الّذي تحتاجه الأمّة. وظلّ يدعو إلى هذه الأمور في كلّ كتاباته ومقالاته, حيث بيّن ذلك بصورة مفصّلة. فالأمّة بحاجة إلى الإصلاح في كلّ المجالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والتّربويّة. وكان يعرف أنّ الأمّة العربيّة والإسلاميّة أمّة متخلّفة ومتأخّرة, وتحتاج الكثير من العمل الجادّ والمخلص, لتستطيع أن تنهض, وتلحق بركب الحضارة.