فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 446

وعبّر عن حزنه العميق لوضع الأمّة المتردّي, قائلًا:"حقًّا إنّها لحالة محزنة. أمّة ناهضة تموج أنحاء المغرب في آسيا بشعوبها, وتتغنّى ربوع الشّمال في إفريقيا ببيانها, ويرجع العالم الإسلاميّ في جميع الدّنيا إلى مكتبتها وعلومها, بإحترام وإجلال, وهي لا تزال مع ذلك فقيرة فيما لا غنى لأمّة عنه" [1] .

هذه الحال المتردّية الّتي وصلت إليها الأمّة, كانت برأيه نتيجة من نتائج السّيطرة التّركيّة عليها, فقد أرسى الأتراك التّخلّف والجهل في البلاد العربيّة"فكان العلم الدّينيّ الإسلاميّ في دولة السّلطان عبد الحميد, كما وصف السّيّد محب الدّين, يُوزن أهله بموازين الرّتب الرّسميّة وكانت قبلة المسلمين في زمن ملك البرّين والبحرين, وخادم الحرمين الشّريفين, المثل الأكمل للفوضى والجوع وسفك الدّماء وبغداد تحوّلت زمن الحكم الحميدي إلى قرية خربة لا تساوي عُشر قيمتها اليوم. واليمن كانت دار حرب, تُسفك فيها دماء العرب والتّرك جميعًا, على توالي السّنين باستمرار, حتّى سُميّت بحقّ مقبرة الأناضول. ومقاطعة طرابلس الغرب ... صارت مقفرة من العلم والتّعليم, فلا يوجد فيها من أبنائها حامل شهادة عالية إلّا رجل واحد ومكّة والمدينة لم تكن توجد فيهما مدرسة واحدة تستحقّ أن تُسمّى ابتدائيّة , وكانت المدرسة الأميريّة الثّانويّة الّتي تعلّمت أنا فيها بدمشق, عاصمة الأمويين, تُدرّس جميع المواد فيها بالطّمطمانيّة التّركيّة , وكانت المناصب المهمّة كالقضاء والإدارة لا تشترط لولايتها كفاءة علميّة, حتّى ولا شهادات معيّنة, بل تُمنح لمن يتقرّب بالبذل لمن بيده التّعيين" [2] .

فالسّيّد محب الدّين كان يحمّل العثمانيين ومن بعدهم الإتحاديين مسؤوليّة التّخلف والجهل الّذي عانت منه الأمّة العربيّة, مما أدّى إلى سيطرة من نوع آخر على بلادنا, هي سيطرة الأوروبيّين. الّذين استغلّوا"ضعف الأمّة العربيّة القوميّ"

(1) ـ الخطيب, محب الدّين, الحديقة, 2, 82.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"نهضة الأمّة للاضطلاع برسالتهم", في الفتح, 823 (جمادى الآخرة, 1365) , 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت