وبما أنّ السّياسة هي الّتي تحرّك الاقتصاد فقد اهتمّ السّيّد محب الدّين بإصلاح السّياسة كطريق لإصلاح كلّ مجالات الحياة. ودعا إلى إصلاح قيادات الدّولة, واعتبر أن عصور الضّعف الّتي مرّت على البلاد الإسلاميّة قد حرمتها من شيء هامّ جدًّا, وهو وجود طبقة أهل الحلّ والرّبط والعقد, فاضطررنا إلى أخذ نظام غيرنا في الحكم, بما فيه من عيوب ونقائص كثيرة, وقد آن الآن للأمّة أن تعود إلى نظامها الإسلاميّ الّذي فيه عزّها وسؤددها.
وهذا النّظام الإسلاميّ, في نظره, قد ضمن للأمّة الإسلاميّة والعربيّة أنّها إذا عادت إلى تطبيقه التّطبيق الصّحيح, فإنّها ستكتشف فيه ما يجعلها في مقدّمة الأمم حضارة ورقيًّا. وكان يقول:"أنا أعترف بأنّ عصور الضّعف والانحطاط, وما ترتّب على الضّعف والانحطاط من تحكّم الاستعمار ببلاد الإسلام قد حرم المسلمين من طبقة أهل الحلّ والعقد على ما كانت عليه في عصورنا الذّهبيّة, فاضطررنا لأن نُبقي على النّظام النّيابيّ الأجنبيّ عنّا, وأن نتحمّل كلّ ما نراه بعيوننا من عيوبه, الّتي فرّقت بين الأهل والأصدقاء, وأوجدت الإحن والعداوات ولن ينقذنا من هذا النّظام الأجنبيّ, إلّا رجوع الأمّة إلى ما دعوت إليه من العناية بالأخلاق الفرديّة ليتكوّن من مجموعها المجتمع الصّالح فتنبع في الأمّة طبقة أهل الحلّ والعقد. وحينئذ يكون لنا نظامنا القوميّ الّذي يغنينا عن النّظام النّيابيّ الأجنبيّ, الّذي لمسنا ولمس الأجانب أيضًا عيوبه, إلّا أنّهم مثلنا راضون به, لأنّه شرّ لا بدّ منه. أمّا نحن فإنّ رجوعنا إلى قواعدنا وسنننا, بعد رجوعنا إلى أخلاقنا وسجايانا, سيعيدنا إلى أنظمتنا الّتي كانت لنا في عصورنا الذّهبيّة, ويومئذ نباهي بها أمم الأرض" [1] .
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظام الدّولة والجماعة في التّشريع الإسلاميّ", في الفتح, 847 (رمضان, 1366) , 804.