فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 446

ولم يكن السّيّد محب الدّين غافلًا عن حقيقة هامّة أخرى, وهي جهل العرب والمسلمين بطرق الحكم. وقد أرجع السّبب في ذلك إلى وقوعهم الطّويل تحت نير الاستعمار. وكان يرى أنّ على العرب والمسلمين أن يعلّموا أولادهم المبادئ (الدّيمقراطيّة) , وذلك حتّى يتعوّدوا منذ الصّغر طرق الحكم الصّحيحة, دون أن يضطرّوا فيما بعد إلى الاعتماد على غيرهم من الأجانب, الّذين لا يهمّهم سوى الحصول على خيرات البلاد.

والمبادئ (الدّيمقراطيّة) في نظره لها مظهران رسميّان, أحدهما وجود السّلطة العامّة بيد الشّعب, والتّصرف فيها بواسطة نوّاب ينتخبهم لينوبوا عنه في وضع القوانين, ومراقبة تنفيذها. والثّاني أن تكون قوانين البلاد وأنظمتها مبنيّة على قواعد الحريّة والعدل والمساواة"ليست التّربية الاستقلاليّة والمبادئ (الدّيمقراطيّة) طريقين مختلفين للحريّة والقوّة والارتقاء بل هما في مثل بلادنا مرحلتان في طريق واحد, المرحلة الأولى التّربية, والمرحلة الثّانية (الدّيمقراطيّة) . وإنّ كلّ المصائب الّتي أُصيبت (الدّيمقراطيّة) بها في الممالك الأخرى, نشأت عن تشييدها على غير أساس التّربية الاستقلاليّة. إذ ليس معقولًا أن نطلب الوصول إلى المرحلة الثّانية من الطّريق, قبل اجتياز المرحلة الأولى منه" [1] .

وكان يريد أيضًا من المسلمين أن يتعلّموا كلّ ما يتعلّق بالحكم, حتّى أنّه طلب منهم أن يتعلّموا كيفيّة المعارضة في الحكم, بحيث لا تخرج هذه المعارضة بهم عن الإسلام. وكان ينتقد طريقة المعارضة والموالاة في الأحزاب المختلفة, فالمعارضة تعارض في كلّ شيء. والموالون للحكومة من أعضاء حزبها تذوب شخصيّاتهم وآراؤهم واقتناعاتهم تجاه مواقف حكومتهم في خططها, فلا المعارضة تركّز معارضتها على أساس من المصلحة العامّة, ولا الحزب الموالي يركّز موالاته على أساس من المصلحة العامةّ, أمّا أسلافنا فلم يكونوا هكذا, بل كانت لهم في الموالاة والمعارضة طريقة اقتبسوها من نظام دينهم, ومن هدي نبيّهم [2] .

وكان يريد من الأمّة ومن أفرادها, أن يعلموا أنّهم مسؤولون عن اختيارهم لمن ينوبون عنهم في مجالس الحكومة. ويريد منهم أن يختاروهم بشكل جيّد ومدروس. لأنّ هؤلاء النّوّاب سيقومون بإصدار القوانين, وبتشريع الأنظمة الّتي تحكم حياة الأمّة ومستقبلها. والّذين كتبوا أعضاء مجلسي النّوّاب والشّيوخ في أوراق الإنتخاب, هم الّذين ناطوا بهذين المجلسين, وبمن يأتي إلى كراسي الحكم عن طريقهما مهمّة تكوين الأمّة, وتكييفها وتوجيهها [3] .

ويمكن أن نقول, إنّ السّيّد محب الدّين كان يرى أنّ نظام الإسلام هو النّظام السّياسي الّذي يجب أن يحكم المسلمين, ولا مانع عنده من أن يستفيد المسلمون من تجارب غيرهم في السّياسة, وفي تنظيم أساليب الحكم, بشرط أن لا تخرجهم عن تعاليم دينهم, ولا تتعارض مع أسس الإسلام وقواعده. ذلك لأنّ في تجارب البشر ومعارفهم في رأيه ما يعدّ تراثًا عالميًّا مشتركًا يُستعان به في كلّ نظام, والإسلام نفسه دين الحقّ والخير, ومن الجائز بل من المستحسن, أن يعمل أهله بكلّ أسلوب من أساليب الخير, إذا كان لا يتنافى مع أساليب الإسلام وسننه وأهدافه, ولكن هذا يكون بعد هضم هذه الأساليب والتّجارب, وجعلها متمشّية مع أمثالها من أساليبنا القوميّة, وسنننا الملّيّة [4] . فهو لا يريد من العرب والمسلمين أن يستوردوا أساليب غريبة عنهم, ولكنّه يريد منهم أن يستفيدوا من تجارب غيرهم بما لا يخرجهم عن دينهم, بل يجب عليهم أن يدرسوا هذه التّجارب بشكل صحيح حتّى يتأكّدوا من أنّها تناسب

(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"التّربية الاستقلاليّة والمبادئ الدّيمقراطيّة", في العاصمة, 96 (جمادى الأولى, 1338 / كانون الثّاني, 1920) , 1.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"معارضة الحكومة في النّظام الإسلاميّ", في الفتح, 854 (ربيع الآخر, 1367) , 1.

(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"كما تكونوا يولّى عليكم", في الفتح, 855 (جمادى الأولى, 1367) , 107 ـ 108.

(4) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظام الإسلام", في الفتح, 832 (ربيع الأوّل, 1365) , 500.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت