وماتت أسماؤهم معهم هذا بعض تراث الإسلام فينا من أربعة عشر قرنًا. وإنّ لنا وراءه تراثًا آخر للعروبة يتوغّل أكثر من أربعين قرنًا في أحشاء الماضي ومنه هذه اللّغة العجيبة, الثّريّة الدّقيقة, الجميلة الوارفة الظّلال, الأبديّة الحياة. هذه اللّغة وما تدلّ عليه من خطرات النّفس, ومدارك عقل, وعواطف قلب, وتسلسل, وتناسل, وتكاثر في المعاني, وفي مشتقّات الألفاظ الدّالة على هذه المعاني. كلّ ذلك يحتاج منّا إلى دراسات لا آخر لها. للجهاد بالسّلاح أهله الّذين وجّههم اللّه إليه ويسّره لهم. وللجهاد بالدّعوة أهله الّذين وجّههم اللّه إليه ويسّره لهم. وللجهاد الاقتصاديّ أهله كذلك. وما من عمل ظاهر ويتّصل بمعايش المثقّفين إلّا وله من أبنائنا المثقّفين كتائب مجنّدة للاضطلاع به" [1] ."
كان السّيّد محب الدّين يعتبر أنّ خدمة الوطن من الأساسيات في الحياة العامّة, والّتي يجب أن يعمل لها كلّ مؤمن ومسلم وعربيّ ومواطن يحبّ وطنه. فالوطنيّة هي شيء يحترمه الجميع, وخدمة الوطن ترفع من يقوم بها في عيون كلّ إنسان يعرف قدرها وأهميّتها. وكان يقول:"لو أُتيح لي أن أقف على مشاعر الأجانب المقيمين بين ظهرانينا, وأن أدخل بين نفس الواحد منهم ونجواه, لكنت أرى جوائحه مشبعة باحترام الوطنيّة وما حملهم على اللّبث بيننا إلّا خدمة أوطانهم, فهم من هذه الوجهة يفهمون لغة الوطنيّة, ويحتقرون في أنفسهم كلّ سوريّ يرى وطنه مقطّع الأوصال فلا يغضب, ويرى وطنه في هياج واضطراب فلا يشعر بأنّ له علاقة في الأمر لابدّ لكلّ ذي مكانة في هذا الوطن من الانغماس في الأعمال العامّة, للتّعاون على تسييرها نحو الغاية من السّعادة, بعد التّفاهم على تعيين تلك الغايّة" [2] .
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, منهج الثّقافة الإسلاميّة, 23 ـ 25.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"الوطنيّة", في العاصمة, 82 (ربيع الأوّل, 1338/ كانون الأوّل, 1919) ,1.