من المفيد قبل الخوض في الحديث عن السّيّد محب الدّين وأفكاره، أن نبيّن حال العصر الّذي عاش فيه، فالإنسان إبن بيئته، يعيش ويكوّن أفكاره من خلال ما يعرض له في حياته من أحداث, وما يدور في مجتمعه من أمور تؤثّر فيه، وتكوّن شخصيته.
والسّيّد محب الدّين عاش في عصر كثير الأحداث، فقد عاصر السّلطنة العثمانيّة في أواخر أيّامها، وشهد قيام الثّورة العربيّة الكبرى، واستقلال العرب عن التّرك, وما جاء بعده من دخول للمستعمر الأوروبيّ إلى البلاد العربيّة، ومن ثمّ خروج هذا المستعمر, واستقلال البلاد العربيّة عنه. وشهد أيضًا التّغييرات الّتي حدثت في شتى مناحي الحياة, نتيجة ما زرعه هذا المستعمر في هذه البلاد. لذلك سأجتهد في بيان حال هذا العصر من النّواحي كافّة, السّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة.
أ ـ عصره من النّاحيّة السّياسيّة:
عاش السّيّد محب الدّين في مرحلة كانت فيها الدّولة العثمانيّة في أيّامها الأخيرة, حيث كانت مطمعًا للدّول الأوروبيّة، الّتي قررت إنهاء حياة الرّجل المريض, كما كانت تسمّى, فأخذت تتدخّل في شؤون الدّولة، وتحرّض الشّعوب على الثّورة, بل وتقتطع أجزاء منها، بعد أن هزمتها في ساحات القتال [1] . وقد بلغ الضّعف فيها مبلغًا عظيمًا، حتّى عمّت الفوضى جميع أرجائها، وقامت الثّورات في كلّ نواحيها. وبسبب هذا الضّعف والتّمزق, ساد الظّلم والفساد بين موظفي الدّولة، وتخلخل الجيش وضعف، وتضعضع الاقتصاد.
(1) ـ الصّبّاغ, ليلى, تاريخ العرب الحديث والمعاصر, دمشق, منشورات جامعة دمشق, ط 3, 1411/ 1991, 235.