فكانوا واسعي المدارك دقيقي الإحساس مرهفي الشّعور. ولغتهم في عصر البداوة ليس لأمّة أخرى في بداوتهم لغة تضارعها في سعتها, ودقّتها, وتعبيرها عن ألطف المشاعر, ودلالتها على المستوى الإنسانيّ الرّفيع الّذي كان لأهلها [1] .
وفكرة أنّ اللّغة العربيّة لغة راقية, وهي معجزة من اللّه سبحانه, كان يؤكّدها باستمرار."فاللّغة العربيّة الّتي أنزل اللّه بها القرآن كانت وما زالت معجزة اللّغات في رأيه. وكان يتحدّى كلّ مشتغل بمقارنة الألسنة واللّهجات واللّغات في أنّ العربيّة منذ كانت بالبادية, لم تكن ولن تكون لأمّة في أمم الأرض لغة بدويّة تضارعها كمالًا, وجمالًا, ودقّة, وإحاطة, وبعد غور, مع الصّراحة التّامّة, وبليغ الإيجاز" [2] .
وقد زاد من اعتزازه باللّغة العربيّة ما لاقته هذه اللّغة, على يد الأتراك من تهميش وتجاهل, ومحاربة كبيرة. حتّى أنّ السّيّد محب الدّين ذكر أنّه كان يتعلّم اللّغة العربيّة"من كتاب باللّغة التّركيّة يُسمّى المشذّب, قرّرته نظارة المعارف العثمانيّة لمدارس الأناضول والرّوم إيلي, فكان مفروضًا على مدارس الحكومة في الولايات العربيّة كذلك أن تستعمله في تعليم أبناء العرب نحو لغتهم وصرفها" [3] . فكان يستنكر هذا أشدّ الاستنكار, ويتساءل دائمًا بغضب, هل يجوز أن"يكون للمجوسيّة وظلمات الظّلم كتاب يخلّدها, ولا يكون للفطرة السّليمة الكاملة, ورسالة اللّه العظمى, من يدلّ عليهما, ويدفع النّاس في طريقهما؟!" [4] .
هذه الأمور كان يعتبرها كارثة من كوارث كثيرة, تعرّضت لها الّلغة العربيّة على مرّ التّاريخ,"فجازى اللّه التّتار والصّليبيين والإسبانيين, بما صنعوا بتركة سلفنا, يوم جرى ماء دجلة أسود من مداد المخطوطات الّتي أُلقيت فيه لولا هذه الكوارث وما"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 10.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين, من كتاب أعلام الدّعوة والفكر, لأنور الجندي, 391.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين, الدّكتور صلاح الدّين القاسمي, آثاره, 3.
(4) ـ الخطيب, محب الدّين, مقدّمة كتاب مجد الإسلام لأحمد محرّم, 7.