كانت الخطط من شأنها أن تصل ما بين مبادئنا المعلومة وغاياتنا المطلوبة, ولا يجوز لنا قطّ أن نأمن الّذين يسيرون بنا في تلك الخطط, إلّا إذا علمنا أنّهم مؤمنون حقًّا بالمبدأ الّذي نتّفق عليه, وينطبق على حاجتنا من التّجديد والإصلاح. هناك تجديد حقيقيّ, وتجديد مدسوس. وإذًا, فالقياس الّذي يتميّز به التّجديد الحقيقيّ عن التّجديد المدسوس هو تعيين المبادئ والغايات, ورسم الخطط فيما بينهما" [1] ."
وكان السّيّد محب الدّين يؤكّد على أنّنا يجب أن نعيّن مبادئ حركة الإصلاح, وأن نبيّن غاياتها ونرسم خططها, بحيث نعرف ما نريد, وما التّجديد الّذي نريد, ولماذا نطلب التّجديد ونسعى إليه, وما خطّتنا للوصول إلى هذا التّجديد المطلوب. وقد قال في مقاله المشار إليه سابقًا ما نصّه:"تُرى ما هي مبادئ حركة التّجديد الحقيقيّة الّتي يحتاج إليها هذا الشّرق العربيّ؟ , وما غاياتها؟ , وما خططها؟ , نريد أن نكون أقوياء في أنفسنا ومحترمين عند الأمم القويّة, هذه غاية يجب أن نصل إليها, ويجب أن نحتفظ بكياننا القوميّ والوطنيّ والدّينيّ, وهذا مبدأ يجب أن نقطع اليد الّتي تحاول قطع ما بيننا وبينه. فالخطّة الّتي يجب أن نرسمها بين هذا المبدأ وتلك الغاية, هي أن نأخذ من كلّ مكان ما نحن في حاجة إليه من أسباب العزّة والقوّة, وأن نحتفظ بكلّ ما في كياننا القوميّ والوطنيّ والدّينيّ مما لا يعدّ من عوامل الذّلّ, وبواعث الوهن" [2] .
ونظرة السّيّد محب الدّين إلى التّجديد المطلوب تُظهر لنا أنّ التّجديد الّذي كان يدعو إليه, هو التّجديد الّذي يحافظ على الهويّة, ويجعل العرب والمسلمين متقدّمين ومتحضّرين. وكان يريد تجديدًا يُعيد لنا حضارتنا الرّاقية وماضينا الزّاخر بالبطولة والأمجاد, فهو يطلب تجديدًا نستغني به عن مصنوعات الأمم الأخرى بمصنوعات تنتجها أوطاننا بأيدي أبنائنا. يطلب تجديدًا يعرّفنا بأنّنا كنّا فيما مضى أعزّ الأمم, فيجب أن نصل ذلك الماضي البعيد بآتٍ قريب, نكون فيه من أعزّ الأمم. يطلب تجديدًا يعرّفنا أننا كنّا في زمن من الأزمان أعلم الأمم, فيجب أن نصل ذلك الماضي البعيد بآتٍ قريب, نكون فيه من أعلم الأمم. أمّا الجديد القائم على انتهاز فرصة ما نحن فيه من ذلّ لإقناعنا بأنّنا لم نكن في يوم من الأيام شيئًا مذكورًا, فنستنتج من ذلك أنّنا ليست فينا جرثومة الاستعداد لتبوّء مقاعد العزّ؛ وأمّا التّجديد القائم على انتهاز فرصة ما نحن فيه من جهل, لإقناعنا بأنّنا لم نكن في يوم من الأيام على شيء من العلم, فنستنتج من ذلك أنّنا ليست فينا جرثومة الاستعداد لتبوّء كراسي العلم إنّ تجديدًا هذه مظاهره, لا ريب أنّ خططه مرسومة بيد أعداء, ويعمل على تحقيقه في هذا الشّرق أعداء بلباس أصدقاء [3] .
إذًا, فدعوة السّيّد محب الدّين إلى الإصلاح, لم تقتصر على جانب واحد من جوانب الحياة, بل إنّها شملت كلّ نواحي الحياة, الثّقافيّة, والتّربويّة, والاجتماعيّة, والاقتصاديّة, والسّياسيّة. وقد وضع منهجًا واضحًا للإصلاح, وبيّن كيفيته وخططه وأهدافه. وقد نبّه العرب والمسلمين إلى ضرورة أن يكون لهم خطة في الحياة, يسيرون على هداها, وبيّن لهم أيضًا أنّه يجب عليهم العمل, والجهاد في سبيل الإصلاح والتّقدّم والتّجديد, الّذي ينشدونه في حياتهم. ولن يكون لهم ذلك إلّا إذا عرفوا مواطن الضّعف فيهم فحاربوها, وقاموا بتصحيح أخطائهم الّتي وقعوا فيها. فهذا الضّعف الّذي ورثته الأمّة من عهود بعيدة يجب التّخلّص منه, والتّحرر من سجنه, لأنّه المانع الأساسيّ للتّقدّم والحضارة.
وكان يعتبر أنّ الأمّة الّتي ترضى بالذّلّ والضّعف والمسكنة هي أمّة غير مسلمة لا تتّبع تعاليم دينها ولا تفهم حقيقة هذا الدّين. لأنّ الإسلام ينظر إلى الضّعف على أنّه رذيلة أو جريمة. فالضّعف إن لم يكن جريمة فهو رذيلة من الرّذائل, وإن لم يكنهما فهو مرض [4] . لذلك وجب على الأمّة عدم السّكوت عن هذا المرض, والسّعى بكلّ الوسائل للتّخلّص منه, والشّفاء من شروره, ولا يجب الاستسلام له
(1) ـ المصدر نفسه, 7.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"حملة التّجديد والإصلاح, وهل لها قادة حكماء؟ وهل رسموا لها الخطط الحكيمة؟", في الزّهراء, 4 (الرّبيعان,1346) , 7.
(3) ـ المصدر نفسه, 7 ـ 9.
(4) ـ الخطيب, محب الدّين, مقدّمة كتاب المنتقى من محاضرات جمعيّة الشّبان المسلمين, 1.