تراثنا وهويّتنا, وسيكون تقدّمنا الاجتماعيّ مرتبط بمدى معرفتنا لهويّتنا ولتراثنا, فلا نأتي بما يخرجنا عن هذه الهويّة. لذلك فإنّ"الخوف علينا ليس من أعدائنا مهما كانوا, وإنّما الخوف علينا من تقصيرنا وغفلتنا" [1] .
وهذا الّذي كان السّيّد محب الدّين يحذّر منه, هو نفسه الّذي وقع فيه العرب والمسلمون فيما بعد, حيث عانوا من آثاره, ونتائجه السّيئة في كلّ مرافق حياتهم, لذلك فإنّ العرب والمسلمين اليوم مطالبون بأن يرسموا الخطط اللّازمة لنهضتهم الاجتماعيّة, لأنّ الزّمن الّذي كان يرتجلون فيه مخرجًا لكلّ نازلة قد انقضى وآن لهم أن يرسموا لاتّجاههم العام خططًا, يتّصل آخرهم بأوّلهم, ويتعاون على تحقيقها باديهم وحاضرهم, ويؤمن بضرورة الوصول إلى أهدافها أفرادهم وجماعاتهم [2] .
ويجب على العرب والمسلمين أن يعرفوا أنّ هناك عقبات تعترض طريقهم للسّيادة والتّرقّي والحضارة, ويجب عليهم أن يعرفوا هذه العقبات, ليسهل عليهم إزاحتها. وبيّن السّيّد محب الدّين في إحدى مقالاته أنّ هناك عقبتين تعترضان طريق العرب والمسلمين للسّيادة,"أمّا أولاهما, وهي أصعبهما, فانصرافنا عن الانتفاع بما أنعم اللّه به علينا من هداية ديننا ومزايا قوميّتنا وكنوز أوطاننا, والقوى الّتي أودعها اللّه في نفوسنا. أمّا العقبة الأخرى الّتي تحول في الدّور المنصرم بيننا وبين السّيادة, فتكالب أعدائنا علينا, واستعمارهم لبلادنا بصناعاتهم العليا, ومتاجرهم الواسعة, وأموالهم النّامية بالأنظمة الدّقيقة. وأقبح ألوان استعمارهم لنا استعمارهم لعقولنا وقلوبنا ونفوسنا, بما رسموه لنا من مناهج التّربية والتّعليم, وبما سلّطوه علينا من أذواق وآراء وأفكار واتّجاهات واقتناعات, حتّى انسلخنا عن ماضينا, وتحوّلنا عن أهدافنا, وجهلنا"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"مصيبة العرب باليهود ومصيبة اليهود بالصّهيونيين", في الفتح, 842 (ربيع الآخر, 1366) , 685.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"جبهة إسلاميّة موحّدة", في الفتح, 844 (جمادى الأخرى, 1366) , 749