النّموذجيّة [1] , وظلّ طوال فترة التّعليم الابتدائي يحظىبرعاية والده، فيأتي برفقته صباحًا، فيدخل إلى المدرسة، ويدخل الأب إلى دار الكتب الظّاهريّة، ذلك أنّ المدرسة كانت قريبة من دار الكتب، وفي المساء كانا يعودان معًا إلى الدّار. وقد حصل السّيّد محب الدّين على شهادة التّعليم الابتدائي في 23 محرّم 1314 هـ / تموز 1896 م, بدرجة الأعلى أي جيد جدًا, وذلك قبل وفاة والده بسنة واحدة [2] .
وبعد ذلك ألحقه والده بالتّعليم الثّانوي، وقد درس في الثّانويّة المسمّاة مكتب عنبر [3] , وكان هذا المكتب الثّانويّة المركزيّة في سوريا، وهو أكبر من مدرسة، عاش في أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل الحرب الثّانية، وهو يضمّ جمهرة المتعلّمين في الشّام [4] . وكان يتألّف من سبعة صفوف، يمنح طلّابه شهادتين، المتوسّطة وتُعطى في انتهاء السّنة الخامسة, والإعداديّة وتُعطى في انتهاء السّنة السّابعة لمن أراد أن يتمّ الدّراسة [5] . وكان يُدّرس للطلّاب في هذه المدرسة مجموعة من العلوم دينيّة ورياضيّة وأخلاقيّة ولغويّة وغير ذلك، فيخرج الطّالب منها ملمًّا بمجموعة كبيرة من مبادئ العلوم العامّة. وعندما التحق بها السّيّد محب الدّين، وقبل أن يدخل امتحان السّنة الأولى منها، توفّي والده. وبسبب ضيق ذات اليد ترك المدرسة، ولازم دروس العلماء والمشايخ مدّة سنتين [6] .
وشاء اللّه للسّيّد محب الدّين أن يعود للدّراسة مجددًا في مكتب عنبر، وكان ذلك بمساندة ومساعدة كريمة من الشّيخ طاهر الجزائري [7] , والّذي كانت تربطه علاقة صداقة بالشيخ أبي الفتح والد السّيّد محب الدّين, حيث عمل على تعيينه مكان والده في أمانة دار الكتب الظّاهريّة، إلى جانب إتاحة الفرصة أمامه لمتابعة الدّراسة في مكتب عنبر حتّى وصل السّنة السّادسة. وفي ذلك الوقت حدثت له حادثة أدّت إلى نقله إلى مدرسة بيروت الثّانويّة [8] , وهناك تابع تعليمه وأنهى السّنة السّابعة النّهائيّة، وحصل على الشّهادة الثّانويّة بدرجة أعلى أي جيد، وكان ذلك في 6 جمادى الأولى من سنة 1323 هـ, الموافق 9 تموز من سنة 1905 م [9] .
وقد دلّه الشّيخ طاهر الجزائري على الشّيخ أحمد النّويلاتي [10] , ليعطيه دروسًا في اللّغة العربيّة, ليستقيم لسانه, ويتعرّف أصول وقواعد اللّغة العربيّة, وذلك لأنّ
(1) ـ التّرقي النّموذجيّة, مدرسة ابتدائيّة حكوميّة في الدّولة العثمانيّة، عنوانها بالتّركي"نمونة ترقي"تقع في بناء كبير، تقوم في الجانب القبليّ منه دار الكتب الظّاهريّة في دمشق القديمة؛ انظر, الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 5.
(2) ـ المصدر نفسه, 6.
(3) ـ مكتب عنبر, نسبة إلى الخواجة يوسف عنبر, الثّري اليهودي, الّذي عجز عن إتمام بنائه فصادرته الدّولة العثمانيّة, وجعلت منه أوّل مدرسة تجهيزيّة (إعداديّة) في دمشق, وكان ذلك سنة 1304/ 1886, وعرفت باسم المدرسة الملكيّة الإعداديّة, وفي مطلع القرن العشرين صار مدرسة حكوميّة للفنون, وقد جعلته وزارة الثّقافة اليوم قصرًا للثقافة؛ انظر, الشّهابي, قتيبة, معجم دمشق التّاريخي, 2, 321.
(4) ـ الطّنطاوي, علي, ذكريات علي الطّنطاوي, 2, 105.
(5) ـ البارودي, فخري, أوراق ومذكرات فخري البارودي, القسم الأوّل, 43.
(6) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 6.
(7) ـ طاهر الجزائري, هو طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السّمعوني الجزائري، ولد سنة 1268/ 1852, هاجر والده إلى دمشق سنة 1263 هـ، أتقن العربيّة والفارسيّة والتّركيّة والفرنسيّة والسّريانيّة والعبرانيّة والحبشيّة والبربريّة. أولع باقتناء المخطوطات, وأنشأ المكتبة الظّاهريّة, والمكتبة الخالدّيّة في القدس. عُيّن مفتّشًا عامًّا للمدارس الابتدائيّة سنة 1285 هـ, فألّف كتب التّدريس للصفوف الابتدائيّة في جميع الفروع. من مؤلفّاته مدخل الطّلاب إلى علم الحساب, ورسالة في النّحو, والتّبيان لبعض المباحث المتعلّقة بالقرآن, وغير ذلك. يعدّ من ألمع علماء القرن التّاسع عشر, توفّي 1338/ 1920؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 3, 222؛ وكرد علي, محمّد, المعاصرون, بيروت, دار صادر, ط 2, 1413/ 1993, 268؛ والمؤلّف نفسه, كنوز الأجداد, 9.
(8) ـ لاحظ مدرس إحدى المواد أنّ السّيّد محب الدّين لا ينتبه إلى درسه، وأنّه مشغول بشيء ما، فنظر بين يديه فوجده يقرأ في كتاب لشاعر تركي يُمجّد الحريّة، ووجد معه كتبًا كانت ممنوعة فأبلغ المدرّس إدارة المدرسة، فعاقبت السّيّد محب الدّين بأن أسقطت له من علامة الأخلاق درجتين, وحاولوا إسقاطه في الامتحان، وتعمّدوا بخسه في تقدير درجاته، فكان له امتحان ملحق إكمالي، وقبل تقديم هذا الامتحان طلب أن ينتقل إلى مدرسة بيروت الثّانويّة بحالته، وهناك أدّى الامتحان ونجح والتحق بالسّنة السّابعة؛ انظر, الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 14.
(9) ـ المصدر نفسه, 15.
(10) ـ أحمد النّويلاتي, (1285 ـ 1357/ 1868 ـ 1938) ولد في دمشق، وشبَّ عصاميًّا، فعكف على طلب العلم، لازم الشّيخ طاهر مدّة طويلة وتأثّر به، كان مدرّسًا في مدرسة الملك الظّاهر، وتولّى الخطابة في مسجد باب السّلام، وكان واعظًا ومدرّسًا في الجامع الأمويّ؛ انظر, البواب, سليمان سليم, موسوعة أعلام سوريّة في القرن العشرين, بيروت, دار المنارة, 1420/ 1999, 4, 370؛ والحافظ, محمّد مطيع, وأباظة, نزار, تاريخ علماء دمشق في القرن الرّابع عشر الهجري, 1, 511.