و"إذا أردنا أن نُجمل التّيارات الّتي تولّدت في البلاد العربيّة بين سكانها المسلمين والمسيحيين وجدنا أنّها تجتمع في خمسة تيارات أساسيّة:"
1 ـ السّعي لإقامة خلافة عربيّة تقوم مقام الخلافة العثمانيّة, [وهو مطلب إسلاميّ] .
2 ـ المطالبة بإصلاحات خاصّة بالبلاد العربيّة.
3 ـ الاشتراك مع أحرار الأتراك للمطالبة بإصلاحات عامّة تشمل جميع الولايات العثمانيّة.
4 ـ الدّعوة إلى انفصال البلاد العربيّة عن السّلطنة العثمانيّة, لتأسيس دولة عربيّة مستقلّة. [وهذه التّيارات الثّلاثة الأخيرة كانت مشتركة بين المسلمين والمسيحيين العرب] .
5 ـ طلب الحماية من دولة أوربيّة. [وهو مطلب المسيحيين وحدهم] " [1] ."
أخذت هذه التّيارات تتصارع في مرحلة عصيبة على السّلطنة العثمانيّة. وعندما أُعلن الدّستور أيّده العرب في محاولة منهم لنيل حقوقهم, فواصلوا المطالبة بالإصلاحات, إلّا أنّ الحكّام الجدد كانوا مع سلطة مركزيّة حديثة, ولم يولوا قضايا الأمم الّتي تتشكل منها السّلطنة أيّ اهتمام, وكانت المؤامرات على السّلطنة تزيدهم قناعة بخطر المساعي الإنفصاليّة, فازداد قمعهم واستبدادهم وبطشهم [2] . وعندما حاول السّلطان عبد الحميد استعادة سلطانه خُلع, وظهر الوجه الحقيقي للإتحاديين, وجه الظلم والاستبداد والتآمر. فكان لهذه الظّروف الّتي تعرّضت لها الدّولة العثمانيّة في القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين, تأثير كبير في انتقال العرب من قبول الحكم التّركي, إلى الرّغبة الأكيدة في الانفصال عن الدّولة العثمانيّة وتكوين كيان عربّي موحّد ومستقلّ, يضمن للعرب حقوقهم ويحفظ كيانهم. ونلاحظ أنّ هذه التّيارات تتّفق في أنّها جميعًا لم تكن ترى أنّ في وضع السّلطنة العثمانيّة ما يجعلها تسكت أو
(1) ـ المصدر نفسه, 131.
(2) ـ علوش, ناجي, مختارات المفيد, بيروت, دار الطّليعة, 1981, 8.